وقال ابن عمر: يلبي حين علا البيداء، والكل مروي عن النبي ﵇ إلا أن ابن عمر رد رواية جابر وقال: يكذبون فيها على رسول الله ﷺ، وإنما لبي حين استوى على راحلته (١).
وقال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: كيف اختلف الناس في تلبية رسول الله، وما حجّ ﵇ إلا مرة واحدة، فقال: لبى النبي ﵇ دبر صلاته فسمع ذلك قومٌ من أصحابه فنقلوا، وكان القوم يأتونه أرسالا -أي: أفواجًا - فلبى حين استوت راحلته فظنوا أنها أول تلبيته فنقلوا ذلك، ثم لبى حين علا البيداء فسمعه قوم آخرون فظنوا أنها أول تلبيته فنقلوا ذلك، وأيم الله ما أوجبها إلا في مصلاه (٢).
والثالث: أنه لا خلاف أن التلبية جواب الدعاء؛ لكن اختلفوا في الداعي.
قيل: هو الله تعالى كما قال تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم ١٠].
وقيل: رسول الله كما قال ﵇: «إن سَيِّدًا بَنَى دارًا فاتخَذَ فيها مأدبَةً وبعث داعيًا»(٣) وأراد بالداعي نفسه.
والأظهر: أن الداعي هو الخليل ﵇ على ما روي أنه لما فرغ من بناء البيت أمر بأن يدعوا الناس إلى الحج فصعد أبا قبيس، وقال:«إِنَّ اللهَ تَعَالَى أمر ببناء بيت لهُ وقَدْ بُنِيَ أَلَا فَحُجُّوا»، فبلغ الله تعالى صوته الناس في أصلاب
(١) أخرجه مسلم (٢/ ٨٤٢ رقم ١١٨٤). (٢) أخرجه أبو داود (٢/ ١٥٠ رقم ١٧٧٠)، والحاكم (١/ ٦٢٠ رقم: ١٦٥٧) وصححه على شرط مسلم. (٣) أخرجه البخاري (٩/ ٩٣ رقم ٧٢٨١).