للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَالَ: (وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي) لِأَنَّ أَدَاءَهَا فِي أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَأَمَاكِنَ مُتَبَايِنَةٍ، فَلَا يَعْرَى عَنْ المَشَقَّةِ عَادَةً فَيَسْأَلُ التَّيْسِيرَ، وَفِي الصَّلَاةِ لَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذَا الدُّعَاءِ، لِأَنَّ مُدَّتَهَا يَسِيرَةٌ وَأَدَاءَهَا عَادَةً مُتَيَسِّرُ. قَالَ: (ثُمَّ يُلَبِّي عَقِيبَ

بإبراهيم وإسماعيل ، ولم يؤمر بمثل هذا الدعاء لمن يريد افتتاح غيره من العبادات كالصلاة وغيرها؛ لأن مدتها يسيرة وأداؤها يسير عادة، فأما أركان الحج فمتفرقة أزمنة وأمكنة ولا يؤمن فيها اعتراض مانع عادة (١).

قوله: (قَالَ: وَقَالَ) أي: قال محمد: قال الذي يريد الحج، وفي بعض النسخ لم يذكر قال الأول وألحقه بحديث جابر؛ أي: صلى [عليه الصلاة] (٢) والسلام وقال، والصحيح هو الأول؛ لأنه موافق لرواية المبسوط، فإنه ذكر فيها حديث جابر بلفظ الماضي الغائب كما ذكرنا هاهنا.

ثم قال: (اللهم إني أريد (الحج)) خطاباً من أبي حنيفة لأبي يوسف كما خاطب فيما قبله وفيما بعده، وهذا اللفظ كما ترى لا يحتمل أن يكون معطوفًا على حديث جابر لتنافر الكلام.

قوله: (قال ثم يلبي) الكلام هاهنا في مواضع: أحدها: في اشتقاق التلبية، قيل: هي مشتقة من قولهم: ألب بالمكان إذا أقام فيه، فمعنى لبيك: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، والتثنية للتكرير والتكثير كما في قوله تعالى: ﴿كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ﴾ [الملك ٤]، وقيل: هي مشتقة من قولهم: داري تَلِبُّ دارك؛ أي: تواجهها؛ فمعنى لبَّيْكَ: اتجاهي لك، وقيل: هي مشتقة من قولهم: امرأة لَبَةٌ؛ أي: محبة لزوجها؛ فمعناه محبتي لك يا رب.

والثاني: في موضعها، فالأفضل عندنا أن يلبي في إثر صلاته. وبه قال الشافعي في القديم (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، وهو قول ابن عباس.


(١) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٤/٤)، وبدائع الصنائع للكاساني (٢/ ١٤٤).
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من النسخة الثانية.
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٤/ ٨١).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، التاج والإكليل للمواق (٤/ ١٤٨).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٣/ ٢٥٩)، والإنصاف للمرداوي (٣/ ٤٣٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>