للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفَتْحِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ اسْتُجْمِعَتْ شَرَائِطُهَا لِوُجُودِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ، لِأَنَّ اسْتِيعَابَهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ (فَإِنْ صَلَّى الإِمَامُ بِجَمَاعَةٍ فِيهَا فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ ظَهْرَهُ إِلَى ظَهْرِ الإِمَامِ جَازَ) لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهُ إِلَى القِبْلَةِ، وَلَا يَعْتَقِدُ إِمَامَهُ عَلَى الخَطَأِ.٧

ترى أن البناء لو انتقل إلى موضع آخر لا يكون قبله، وقد رفع البناء في عهد ابن الزبير حتى بنى البيت على قواعد الخليل ، وفي عهد الحجاج أعاده إلى ما كان في الجاهلية، وكان يجوز للناس الصلاة وإن لم يكن هناك بناء، وفيه تأمل.

وأما قوله: استدبر بعضها، قلنا: استدبار البعض مع استقباله لا يضر؛ لأنه ما أمر بالتوجه إلى الكل في حالة واحدة، فإنه غير ممكن، والأمر ينصرف إلى ما في الوسع، وفي وسعه بوجه البعض، فيكون مأمورا بذلك لا غير.

واستدبار ما لم يؤمر بالتوجه إليه لا يفسد الصلاة، وليست الصلاة كالطواف؛ لأن الطواف بالبيت مأمور لا فيه، والطواف بالكل ممكن، فيجب الطواف خارج البيت ليقع على الكل؛ ألا ترى أنه خارج المسجد الحرام لا يجوز بخلاف الصلاة، والاستدبار خارج البيت مفسد؛ لعدم استقبال ما هو مأمور لا الاستدبار، فيقع الفرق من الاستدبارين. كذا في المبسوط، والأسرار (١).

إلا أن فيه ذكر خلاف مالك في مطلق الصلاة، من غير فصل بين النفل والفرض، وما ذكر معنى قول المصنف: (أنها صلاة استجمعت شرائطها … . إلى آخره).

وما روى أنه لم يُصَلِّ؛ ضعفه بعض أهل الحديث، ولأن المثبت أولى من النافي؛ لأنه رأى، والنافي لم ير؛ فإن أسامة بن زيد قال: دخلت على رسول الله في الكعبة فرأى صورًا فدعا بماء، فأتيته به، فجعل يَمْحُها ويقول: «قاتل الله قوما يُصوّرون صورًا ولا يخلقون» (٢)، فيجوز أن يكون صلى في حال مضى أسامة في طلب الماء، فشاهد بلال ما لم يشاهده أسامة.


(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٩).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ١٦٦، رقم ٤٠٧) من حديث أسامة بن زيد قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٧٢، رقم ٨٨٩٣): فيه خالد بن يزيد العمري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.

<<  <  ج: ص:  >  >>