قلنا: بينهما فرق، وذلك أن سقوط الظهر من الأربع إلى الركعتين بالجمعة عرف بخلاف القياس، وفي مثله يراعى ما ورد به الشرع، فلو جازت بلا خطبة؛ لفعلها مرة تعليمًا للجواز ولإزالة الشبهة، أما الرفع كان لإعلام الأصم في الشروع، والتكبير للانتقال، وغالب أحواله ﵊ الإمامة، وما كان شرعيته لإعلام غيره لا يكون شرطًا للجواز في نفسه، كالأذان وجهر التكبيرات، ولأن المراد من الذكر في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ الخطبة باتفاق أئمة التفسير، فقد فرض بالسعي إلى الجمعة والذكر؛ فدل أنه لابد منها. كذا ذكره شيخ الإسلام (١)، وفيه نوع تأمل.
قوله:(يفصل بينهما بقعدة): وفي المبسوط: هذه القعدة عندنا للاستراحة، وليس بشرط، ولكنه سنة (٢)، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤).
وقال الشافعي: هي شرط حتى لا يكتفي بخطبة واحدة عنده وإن طالت؛ لمواظبة النبي ﵊، والتوارث كالتواتر (٥).
ولنا: حديث جابر بن سمرة، أنه ﵊ كان يخطب في الابتداء قائما خطبة واحدة، فلما أسنّ جعلها خطبتين، وجلس بينهما جلسة، فدل أنه إنما فعل ذلك ليكون أروح عليه، لا لأنه شرط، ثم لفظ التوارث إنما يستعمل في أمر له خطر وشرف، يقال: توارثوا المجد كابرًا عن كابر. وقيل: هو حكاية العدل عن العدل.
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٦٠). (٢) المبسوط للسرخسي (٢/٢٦). (٣) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٥١)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٢٨)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٨٢). (٤) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٢٧)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٦٤)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٣٩٧). (٥) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٥٤٣)، والوسيط للغزالي (٢/ ٢٨٠)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥٨٠).