الخلاف في الكل واحد، فكان زيادة قيد الإباحة فيه يجرى مجرى النسخ.
(ولأن نفس السفر … ) إلى آخر ما ذكره في الكتاب ما يكون بعده، كما في السرقة وقطع الطريق، أو يجاوزه كما في الإباق ونحوه.
(فيصلح)؛ أي: نفس السفر.
(متعلق)؛ أي: موضع تعلق الرخصة؛ لأن نفسه نقل الخطوات إلى مكان بعيد، وهو مباح في نفسه، فلم يكن في ذاته معصية.
وفي الإيضاح: السفر إنما صار مبيحًا للترخص؛ لمشقة تلحقه من نقل الأقدام، والغيبة عن الوطن، وهذا لا حظر فيه، وإنما الحظر فيهما يكون بعد انقطاع السفر، فجرى ذلك مجرى المقصود لا مجرى معنى الفعل؛ لأن معنى الشيء ما يأتي مع صورته (١).
وثمرة الشيء تكون بعد تمام صورة الشيء، فثبت أن الفساد هاهنا راجع إلى المقصود، وذلك مما يقبل الفصل عنه، فبقي السفر من حيث إنه يفيد الرخصة مباحًا لا حظر فيه.
وأما الجواب عن الآية: أن تأويلها: فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد؛ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: فحلق ففدية؛ لأن الكفارة لا تجب بالعذر، بل بالحلق بسبب العذر.
وأما الجواب عن المعنى: أن هذه رخصة علقت بصيرورة الخطى سفرًا، لا بنفس الخطى، فإن من طاف جميع الدنيا ولا يقصد مكانًا يصلح للسفر؛ لا يصير مسافرًا، فإذا كان كذلك؛ كان خطاه سفرًا بالنية، فلما وجد القصدان في مسألتنا: قصد السفر وقصد المعصية؛ جعلنا الخطى سفرًا، وألغينا قصد المعصية؛ لأنه لا تأثير للسفر في المعصية، وإنما تصير الخطى معصية بقصد المعصية، والسفر سبب باعتبار المشقة، فلا تتتغير أحكام السفر بنية المعصية؛
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/٢٤).