وفي المبسوط: إلا أن بينهما تفاوتا، فإنه لو دخل الموضع الذي عزم على المقام فيه بالنهر أولا؛ لا يصير مقيمًا، ولو دخل الموضع الذي عزم على الإقامة فيه بالليالي؛ يصير مقيمًا، ثم بالخروج إلى موضع آخر لا يصير مسافرًا؛ لأن موضع إقامة المرء حيث يثبت فيه؛ ألا ترى أنك إذا قلت للسوقي: في أي موضع تسكن؟، يقول: في محله كذا، وهو بالنهار في السوق (١).
وفي هذه المسألة حكاية لعيسى بن أبان، وكانت سبب تفقهه؛ فإنه كان مشغولاً بطلب الحديث، حيث قال: دخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي، وعزمت على الإقامة شهرًا في مكة ومنى، فجعلت أتم الصلاة، فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة فقال: أخطأت؛ لأنك تخرج من منى وعرفات، فلما رجعت إلى منى بدأ الصحابي أن يخرج، وعزمت على أن أصحبه، فجعلت أقصر الصلاة فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت؛ فأنك مقيم بمكة، فما لم تخرج منها لا تكون مسافرًا، فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين، فدخلت مجلس محمد واشتغلت بالفقه.
قوله:(ومن فاتته صلاة) إلى آخره: فهذا قول مالك (٢)، والشافعي في القديم.
وقال في الجديد: لا يقصر في الحضر، واختاره المزني (٣)، وبه قال
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٣٧). (٢) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٦٣)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٢٦)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٦٥). (٣) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٩٦)، والبيان للعمراني (٢/ ٤٨١)، والمجموع للنووي (٤/ ٣٦٦).