للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَهُوَ مُسَافِرُ

الإمام: أتموا صلاتكم عبثًا؛ لاشتغاله بما لا يفيد، وإن كانوا عالمين بكونه مقيما؛ كان هذا القول منهه كذبا عندهم، فتعين أنهم لم يعلموا بحاله، فما وجه التوفيق بينهما؟

قلنا: تلك الرواية محمولة على ما إذا بنوا أمر الإمام على ظاهر حالة الإمامة، والحال أنه ليس بمقيم، وسلّم على رأس الركعتين، وتفرقوا على ذلك؛ لاعتقادهم فساد صلاة الإمام، وأما لو علموا بعد الصلاة بحال الإمام؛ كان اقتداؤهم جائزا؛ وإن لم يعلموا حاله وقت الاقتداء.

والدليل عليه: ما ذكر في نوادر المبسوط: رجل صلى بالقوم الظهر ركعتين في مصر أو قرية، وهم لا يدرون أمسافر هو أو مقيم؟! فصلاة القوم فاسدة، سواء كانوا مقيمين أو مسافرين؛ لأن الظاهر من حال من كان في موضع الإقامة أنه مقيم، والبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه، وإذا كان الإمام مقيما باعتبار الظاهر؛ فسدت صلاته وصلاة القوم حين سلّم على رأس الركعتين، فإن سألوه فأخبرهم أنه مسافر؛ جازت صلاة القوم إن كانوا مسافرين، أو مقيمين فأتموا صلاتهم بعد فراغه؛ لأنه أخبر بما هو من أمور الدين بما لا يعرف إلا من جهته، فيجب قبول خبره في ذلك (١).

فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يجب قوله: «أَتْمُّوا صَلَاتَكُم فَإِنَّا قَومُ سَفَرٍ» (٢)؛ لما فيه إصلاح صلاة المقتدي من جانب الإمام، فيجب عليه رعايته، فلم قال: (ويستحب)؟.

قلنا: إصلاح صلاة القوم غير متوقف على هذا القول؛ لما أن القوم إذا كانوا مسافرين سلموا بسلامه، وإن كانوا مقيمين فأقاموا وأتموا صلاتهم، ثم سألوه، فإن أخبر أنه مسافر؛ جازت صلاة الكل، فكان ذلك زيادة إعلام أنه مسافر، واقتداء بالنبي أمرًا واجبًا، فكان مستحبا.

وفي شرح الإرشاد وينبغي أن يخير الإمام القوم قبل شروعه أنه مسافر،


(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١١٠).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.

<<  <  ج: ص:  >  >>