فإن قيل: لما أدرك المسبوق قراءة النافلة ولم يتأدَّ به الفرض؛ فكان الإتيان به واجبًا أولى.
قلنا: الأولوية لا تنافي الوجوب، كما أن الإباحة والندب لا ينافيه، والمراد بالأولوية: ترجيح جانب الوجود على الترك، وهذا موجود في الوجوب وزيادة، وكأنه اختار المصنف هذا اللفظ؛ ليمكن جهة عدم الوجوب فيه؛ من حيث إن المسبوق مقيد تحريمه، حتى لم يجز الاقتداء به، ولا قراءة على المقتدي وإن ترجحت جهة الوجوب بتفرده في الأداء حقيقة، أو لأنه ذكره في مقابلة قوله:(فيتركها احتياطًا). كذا قرره شيخي العلامة (١).
وفي الخبازية، والكاثي: أن قوله: (فكان الإتيان به أولى)؛ للمطابقة بينه وبين قوله:(فيتركها احتياطًا)؛ لكن مراده: أن جعله منفردًا أولى من جعله مقتديا، حتى تلزمه القراءة، ولو تركها فسدت صلاته (٢)، وفيه تعسف كما ترى. (صلى بأهل مكة)؛ أي: بعرفات كما روينا، وكذا عمر.
وحكي أن أبا يوسف صلّى بمكة ركعتين عام حجه مع الرشيد، فلما سلم قال: يا أهل مكة، أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، فقال رجل منهم: نحن أفقه بهذا منك.
فإن قيل: ذكر في فتاوى قاضي خان وغيره: أن العلم بحال الإمام شرط لصحة أداء الصلاة بالجماعة (٣)، ورواية الكتاب تدل على صحة الاقتداء بدون العلم بحاله أنه مقيم أو مسافر؛ لأنهم لو كانوا عالمين بكونه مسافرًا؛ كان قول
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/٤٠). (٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/٢٧)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٢٨). (٣) فتاوى قاضي خان (١/٤٦).