دار الحرب؛ لرفع شبهة وهي أن يقال: إنها لا تجوز نية الإقامة في دار الحرب؛ لأنها منقطعة، فصارت كالمفازة، بخلاف مدينة أهل البغي التي في دار الإسلام؛ فإنها في يد أهل الإسلام، فيجب أن تصح نية الإقامة، فقال: لا تصح؛ لأن حالهم يبطل عزيمتهم؛ لأنهم يقيمون لغرض، فإذا حصل انزعجوا، فلا تكون عزيمتهم مستقرة؛ ولهذا قال أصحابنا: في تاجر دخل مدينة لحاجة، ونوى أن يقيم خمسة عشر يوما لقضاء تلك الحاجة: لا يصير مقيما؛ لأنه متردد بين أن يقضي حاجته فيرجع وبين أن لا يقضي فيقيم، فلا تكون نيته مستقرة، كنية العسكر في دار الحرب، وهذا الفصل حجة على من يقول: من أراد الخروج إلى مكان، ويريد أن يترخص للسفر؛ ينوي مكانًا أبعد منه، وهذا غلط.
ذكره التمرتاشي (١).
ثم التقييد بقوله:(في غير مصر أو في البحر)؛ يوهم أنهم نزلوا مدينة أهل البغي وحاصروهم في الحصن؛ تصح نية الإقامة؛ لكن إطلاق ما ذكر في المبسوط يدل على أنه ليس كذلك؛ فإنه قال: وكذا إذا حاربوا أهل البغي في دار الإسلام (٢)، أما التعليل يشمل المفازة والمدينة، إلا أنه قيد في الجامع الصغير بغير المصر وبالبحر (٣)؛ لأنه أظهر في عدم الجواز، وأبعد عن توهم الجواز في غير المصر، أو البحر، فعلل بمعنيين:
أحدهما: أنه ليس بموضع إقامة حقيقة، فإنه يشمل دار الحرب والبغي والإسلام، ولكنه لا يتناول المدينة.
والثاني: أن حالهم يخالف عزيمتهم، أنه يشمل دار الحرب والبغي دون دار العدل، ولكنه يشمل المدينة والمفازة والبحر، فاختار المصنف التعليل بهذا المعنى؛ ليكون إشارة إلى عدم الجواز في المدينة؛ لأن مدينتهم كالمفازة فيه.
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٤٤). (٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٩). (٣) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٣٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٤٣)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدن (٢/ ١٢٧).