وعن عطاء، وإبراهيم أنهما قالا: أقل مدة الإقامة خمسة عشر يوما.
وسبيل ذلك التوقيف، فنزل منزلة المنصوص، وروى جابر أنه ﵊ دخل مكة صبيحة يوم الرابع من ذي الحجة، وخرج إلى منى يوم التروية، وكان يقصر الصلاة، وقد أقام أكثر من أربعة أيام.
فإن قيل: الحديث محمول على ما إذا لم ينو الإقامة، وبدون النية مقيمًا بأربعة أيام عنده.
قلنا: لا يصح هذا؛ لأنه ﵊ دخل مكة للحج، ومن دخل للحج لا بد أن ينوي الإقامة حتى يقضي حجه، وقضاء حجة فيما ذكرنا إن كان أكثر من أربعة أيام، ومع ذلك كان يقصر، وفيه نوع تأمل.
وأما تعلقه بالآية؛ فقلنا: لما ترك ظاهر الآية بالإجماع، فكان الأخذ بما قلنا أولى؛ بما روينا وللاحتياط، وأما الحديث: فإنه ﵊ إنما قدر هذا؛ لأنه علم أن حوائجهم كانت ترتفع في هذه المدة، لا لتقدير أدنى مدة الإقامة.
وأما ما روي عن عثمان؛ معارض بما روي عنه أنها مقدرة بخمسة عشر يوما، فدل على رجوعه كما قلنا.
وأما دعوى الاحتياط؛ فقلنا: هذا يشكل بما لو نوى الإقامة ثلاثة أيام أو أقل؛ فإنه لا يصير مقيمًا، وإن كان الاحتياط فيه، ولأن في التكميل ترك الاحتياط؛ فإنه متى ترك القعدة الأولى تجزئه صلاته، فالاحتياط أن يؤخذ فيه بالفساد، فكان معنى الاحتياط فيما يتعارض هاهنا، وفيه نوع تأمل.
وما قلنا أوفق للقياس؛ لأن الإقامة أصل كالظهر، والسفر عارض كالحيض، ثم ثبت أقل مدة الطهر خمسة عشر يوما بالاتفاق، فكذا مدة الإقامة، مع أن ما قاله الشافعي خلاف الإجماع. هكذا قال الطحاوي؛ لأنه لم ينقل عن أحد قبله بأن يصير مقيما بأربعة أيام. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١).