أجمعوا أن من تلاها يسجد مرة واحدة، ولا شك أنه يسمعها من نفسه أيضًا، ولو كانت لا تتداخل؛ لوجبت عليه سجدتان.
والمعنى: أن الحاجة ماسة إلى تكرار القرآن للتعلم؛ لمحافظة الشرائع والتعليم والتحفظ، فلو أوجبنا لكل مرة سجدة على حدة؛ يقع في الحرج، بخلاف ما إذا اختلفت الآية في مجلس واحد؛ لأنه لا حرج ثمة، فإن آيات السجدة محصورة.
أما التكرار للتعليم والتعلم والتحفظ غير محصور، ولأن الإنسان لا يقرأ جميع آيات السجدة في مجلس واحد غالبًا، وأما التكرار في مجلس واحد غالب؛ فلذا تقع التفرقة بينهما، وعلى هذا قالوا: لو عطس وحمد الله في مجلس مرارًا؛ ينبغي للسامع أن يشمته؛ لأنه حق العبد، وكذا الصلاة على النبي ﷺ.
والأصح: أنه إذا زاد على الثلاث لا يشمته. كذا في المبسوط (١).
وذكر فخر الإسلام في الجامع الكبير فرقًا بين السجدة والصلاة على النبي ﵊؛ فقال: يستحب تكرار الصلاة على النبي ﵊، بخلاف السجود؛ لأن العبد وإن عظمت منزلته لا يوازي حقه حق الله تعالى في موضع الحرج؛ فلذلك افترقا، فإذا ثبت أصل اتحاد السجدة بالحديث والأثر، وشيء من المعنى؛ فقلنا به، لا بمجرد نفس الحرج (٢).
وإنما جعلنا التداخل في السبب لا الحكم، ولو جعلناه في الحكم؛ لكانت الأسباب باقية حقيقتها للزم الشناعة وثبوت الحكم على خلاف وضع الشرع، وترك العمل بالاحتياط؛ لأنه يلزم وجود موجب العبادة ولا عبادة، والعبادة يحتاط في الإتيان بها؛ بل هذا أليق بموضع العقوبات؛ ليضاف تخلف الحكم عند وجود الموجب إلى الكرم والعفو، والله تعالى موصوف بشيوع الكرم
(١) المبسوط للسَّرَخْسِي (٢/٥، ٦). (٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٦)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٩٤).