وذكر الشيخ أبو المعين: الأصل في هذا: أن العلة متى دارت بين الوجود والعدم، فإن كان يمكن الوقوف على حقيقتها، لا يقام السبب الدال عليها مقامها؛ بل يدور الحكم معها، كما في خروج المني مع القبلة والمس؛ لانعدام الحاجة إلى إقامة السبب مقامها، وإن كان لا يمكن الوقوف عليها؛ تعلق الحكم بالسبب الدال عليها؛ لانعدام الوقوف عليها، كما في النوم مضطجعًا مع خروج النجس؛ فإنه يتعلق الحكم بالنوم مضطجعًا لا على الخارج حقيقية.
وإن كان السبب مما لا يخلو عن العلة في الأعم والأغلب، مع إمكان الوقوف على حقيقتها، وكان بحال يكون الانفكاك بينهما في حد الندرة بدون الحكم مع السبب؛ لأن عدمها مع وجود السبب نادر، فسقط اعتبار عدم المشقة، فألحق بالوجود، ودوران الرأس مع القيام في السفينة من هذا القبيل، فإن الدوران غالب، وعدمه نادر؛ فألحق النادر بالموجود، فجعل كالمتحقق.
وقال شيخ الإسلام: ما روي من حديث ابن سيرين، وحديث جنادة؛ لا يجيئان حجة لأبي حنيفة، وله طريق أخرى؛ أن السفينة تشبه الأرض من حيث إنه يباح الجلوس عليها للقرار، ولم يجز ترك الركوع والسجود في التطوع فيها.
ولو تلا آية سجدة مرتين؛ يكفيه سجدة واحدة، وكونها على الأرض لا يكون سببًا لدوران الرأس حتى يقوم مقام العجز.
وتشبه الدابة من وجه؛ لأنها تسير كالدابة، فوفرنا على الشبهين حظهما؛ فلشبهها بالأرض لا يسقط الركوع والسجود والاستقبال، ولشبهها بالدابة يسقط القيام؛ عملا بالشبهين بقدر الإمكان، أبعد عن شبهة الخلاف، فإن عندهما لا يجوز قاعدًا، ولو صلَّى قائمًا يخرج عن العهدة بيقين، فكان أفضل؛ لأنه أسكن لقلبه مع أن فيه خروجا عن العهدة بيقين.
وفي المحيط: ولو صلَّى مع إمكان الخروج منهما؛ جاز؛ لحديث ابن سيرين أنه قال: صلينا مع أنس ابن مالك في السفينة قعودًا، ولو شئنا لخرجنا