للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فإن قيل: لو كان وقت التذكر وقتًا للفائتة، لتأدَّت بنية الأداء، ولجازت إذا تذكرها وقت الاحمرار.

قلنا: وقت التذكر وقت للفائتة بخبر الواحد، وما مضى وقتها بالدليل القطعي؛ فيحتاط في رعاية نية القضاء نظرًا إلى الوقت الماضي، ترجيحا للقطعي على الظني، فكيف والأداء بنية القضاء جائز بالاتفاق؟، وإنما لم يجزه عند الاحمرار؛ لأن جواز الفرض في ذلك الوقت لم يثبت إلا بالنص؛ وهو قوله : «إلَّا عَصْرَ يومِهِ» فلا يتعداه.

فإن قيل: لا يصح التمسك بالحديث؛ لأنه من أخبار الآحاد، فلا يثبت به الفرض.

قلنا: هو ليس بفرض اعتقادًا حتى لا يكفر جاحده، ولكنه واجب في قوة الفرض في حق العمل، ومثله يثبت بخبر الواحد؛ كصدقة الفطر، والأضحية، والقعدة الأخيرة في الصلاة، والوتر في قول أبي حنيفة.

فإن قيل: العمل بخبر الواحد هاهنا غير ممكن، إلا بعد إبطال ما ثبت بالتواتر والنص القطعي، فإن الجواز ثبت بهما، كما زالت الشمس، ومتى أوجبنا الترتيب به؛ أبطلنا الجواز الثابت بهما.

قلنا: إذا عملنا بخبر الواحد عند سعة الوقت، لا يفوت جواز الظهر؛ بل يؤخر إلى ما بعد قضاء الفائتة، ومتى لم يعمل به تركناه، فتأخير ما ثبت بالمتواتر أولى من ترك ما ثبت بخبر الواحد؛ لأن التأخير أهون من الإبطال، فكان هذا أولى عملا بالدليلين؛ بخلاف ما لو ضاق الوقت. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١).

قال أبو المعين: هذا استدلال ذهب إليه العراقيون من مشايخنا، وهو فاسد؛ لأن فيه معارضة الخبر الواحد بالكتاب، فإن الكتاب يقتضي الجواز، والخبر يقتضي عدمه، والصحيح أن يقال: إن هذا الحديث مشهور، وهو موجب


(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٣١، ١٣٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>