فإن قيل: الكلام في الأفضلية مع الاتفاق على الجواز على أي وجه كان، والحديث بصيغته يدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول؛ لأن صيغته صيغة إخبار، وهو في اقتضاء الوجوب أكد من الأمر، أو أنه ذكره بالشرط والجواز على طريق الترتيب، فكان اعتبار الثاني إنما كان بعد وجود الأول لا قبله.
قلنا: صيغة الإخبار لبيان الشريعة لا أنه يجوز غيره؛ لقوله ﵇:«يَمسحُ المقيم يوماً وليلةً»(١)، ولئن سلمنا أنها محمولة على معنى الأمر، ولكن يحمل الأمر على الاستحباب؛ لوجود الجواز بدون الاقتداء بالإجماع.
فإن قيل: لو كان المراد من الأقْرَأ في الحديث الأعلم يلزم تكرار الأعلم فيه، ويُؤوّل تقديره ويؤم القوم أعلمهم، فإن تساووا فأعلمهم.
قلنا: المراد من قوله (أعلمهم) بأحكام كتاب الله تعالى دون السنة، ومن قوله (أعلمهم بالسنة) أعلمهم بأحكام الكتاب والسنة جميعاً، فكان الأعلم الثاني غير الأعلم الأول. كذا نقل عن شيخ شيخي رحمهما الله (٢).
وفي الخبازية (٣): المساواة في القراءة توجب المساواة في العلم في ذلك الزمان ظاهرا إلا قطعاً، فجاز تصوير مساواة الاثنين في القراءة مع التفاوت بينهما في معرفة الأحكام، أليس أن أُبَيَّ بن كعب كان أقرأ من ابن مسعود، وابن مسعود كان أعلم، وصاحب الشرع ﵇ بين هذا الممكن لو اتفق وقوعه.
أو نقول: قال ذلك بحسب زماننا، فإن المساواة في القراءة لا تستلزم المساواة في العلم وفيه تأمل (التلقي حيزي اركسي كرفتن).
(١) أخرجه مسلم (١/ ١٥٩، رقم ٢٧٦) من حديث عائشة ﵁. (٢) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١٣٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٠). (٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٠).