للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِالجَمَاعَةِ إِلَّا بِانْتِظَارِهَا، فَكَانَ الجُلُوسُ فِيهِ مُبَاحًا، لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ الصَّلَاةِ، أَوْ لأَنَّ المُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ فِي الصَّلَاةِ حُكْمًا بِالحَدِيثِ، فَلا يَضْمَنُ كَمَا إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ.

وَلَهُ: أَنَّ المَسْجِدَ إِنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ، وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ مُلْحَقَةٌ بِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ التَّفَاوُتِ، فَجَعَلْنَا الجُلُوسَ لِلْأَصْلِ مُبَاحًا مُطْلَقًا، وَالجُلُوسَ لِمَا يُلْحَقُ بِهِ مُبَاحًا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَلَا غَرْوَ أَنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُبَاحًا، أَوْ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالرَّمْيِ إِلَى الكَافِرِ، أَوْ إِلَى الصَّيْدِ، وَالمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ،

المسجد بني للصلاة قصدًا بدليل شرعي وعرفي ولغوي. أما الشرعي؛ فإنه للمصلي أن يزعج القاعد عن موضعه حتى يصلي فيه، وإن كان القاعد مشتغلا بالذكر والتدريس والقراءة والاعتكاف. أما لو كان أحد يصلي فيه؛ ليس لغيره أن يزعج السابق عن مكانه.

وأما العرفي فظاهر؛ فإن الناس تعارفوا بناءه للصلاة لا لغيرها.

وأما اللغوي؛ فهو أنه سمي مسجدا، والمسجد موضع السجود؛ أي: السجود في الصلاة، ولهذا لا تجوز الصلاة في غير المسجد قبل شريعتنا. إليه أشار في الذخيرة، وجامع شمس الأئمة.

(فجعلنا الجلوس للأصل) وهو الصلاة (مباحًا مطلقًا)؛ أي: غير مقيد بشرط السلامة.

فإن قيل: هذه القاعدة منقوضة على أهله؛ لأن عنده لا تفاوت بين الأصل والفرع، كما في سعي الجمعة مع الجمعة، فإن بها ينتقض الظهر.

قلنا: الانتقاض ثمة لا لعدم التفاوت بين الأصل والفرع، بل باعتبار قصد الارتفاض في محل يقبله، فيرتفضه ضرورة. كذا قيل.

قوله: (ولا غرو)؛ أي: لا عجب. قال قائل (١):

لا غرو إن أحرَقَتْ نارُ الهَوَى كَبِدِي … فَالنّارُ حَقُّ عَلَى مَنْ يَعبُدُ الوَثَنا


(١) هو للباخرزي، كما في شذرات الذهب في أخبار من ذهب (٥/ ٢٨٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>