للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المُتَقَاسِمَيْنِ دَيْنَا فِي التَّرِكَةِ، صَحَّ دَعْوَاهُ، لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ، إِذْ الدَّيْنُ يَتَعَلَّقُ بِالمَعْنَى وَالقِسْمَةُ تُصَادِفُ الصُّورَةَ، وَلَو ادَّعَى عَيْنَا بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ لَمْ يُسْمَعْ لِلتَّنَاقُضِ، إذ الإِقْدَامُ عَلَى القِسْمَةِ اعْتِرَافُ بِكَوْنِ المَقْسُومِ مُشْتَرَكًا.

فيقف من التركة قدر الدين، ويقسم مراعاة للحقين، وفيه نظر للميت من حيث إن وارثه يقوم بحفظ ما يصيبه من ذلك، ويكون مضمونًا عليه ما لم يصل إلى صاحب الدين حقه، ولا يأخذ كفيلا بشيء من ذلك. قيل: هذا قول أبي حنيفة. أما عندهما: يأخذ كفيلا، وإن لم يكن الدين معلوما للقاضي سألهم القاضي عن الدين، فإن قالوا: لا، فالقول لهم، ويقسم القاضي لتمسكهم بالأصل، وهو فراغ الذمة عن الدين، ولأن المال في أيديهم فالقول لصاحب اليد، فلو ظهر دين نقض القسمة؛ لأنه تبين أن القسمة قبل أدائها (١)، فإن أوانها ما بعد قضاء الدين، كذا في المبسوط (٢)، والذخيرة.

قوله: (دينا في التركة قيد به لأنه لو ادعى عينًا) من أعيان (بأي سبب كان) بالشراء، أو الهبة أو غيرهما لا تقبل دعواه، كما يجيء بعد هذا، إذ الدين تعلق بالمعنى دون الصورة، ولهذا للورثة حق الإيفاء من محل آخر، فلم يكن من ضرورة الإقدام على القسمة عدم الدين، فلو أقام بينة فله أن ينقض القسمة، ولم تكن قسمته إبراء من الدين لما ذكرنا أنه ليس من ضرورة الإقدام على القسمة عدم الدين.

وفي الذخيرة: أقر رجل أن فلانا مات وترك هذه الدار ميرانا، ولم يقل لهم أو لورثته، ثم ادعى بعد ذلك أنه أوصى له بالثلث، أو ادعى دينا عليه يُقْبَلُ، ولو قال: ترك ميرانا لورثته أو لهم والمسألة بحالها لا يُقْبَلُ؛ لأنه لما قال لهم أو لورثته كان إقرارًا بأن لا دين عليه ولا حق لغيرهم، بعد ذلك دعوى الوصية أو الدين تناقضا.


(١) كذا في النسخ الخطية، وفي المبسوط: (قبل أوانها).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/٣٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>