للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ثُمَّ هِيَ لَا تَعْرَى عَنْ مَعْنَى المُبَادَلَةِ، لِأَنَّ مَا يَجْتَمِعُ لِأَحَدِهِمَا بَعْضُهُ كَانَ لَهُ، وَبَعْضُهُ كَانَ لِصَاحِبِهِ، فَهُوَ يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَمَّا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ، فَكَانَ مُبَادَلَةٌ وَإِفْرَازًا، وَالإِفْرَازُ هُوَ الظَّاهِرُ فِي المَكِيلَاتِ وَالمَوْزُونَاتِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ، حَتَّى كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ حَالَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ، وَلَوْ اشْتَرَيَاهُ فَاقْتَسَمَاهُ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا

وعن هذا قال في المبسوط: لا يقسم الحمام والحائط وما أشبه ذلك بين الشركاء؛ لما فيها من الضرر، والمقصود من القسمة توفير المنفعة، فإذا فات منفعته بالقسمة، فيكون ذلك تبديلا لا إفرازا (١).

وشرعيتها بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أي: لكل شرب محتضر (٢)، وقوله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، في قصة ناقة صالح، وشريعة من قبلنا تلزمنا إذا لم يكن فيه نكير، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٨] الآية.

وأما السنة: فما روي أنه باشرها في الغنائم والمواريث، وقال: «أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ» (٣)، وكان يقسم بين نسائه، وهذا مشهور، وأجمعت الأمة على مشروعيتها.

قوله: (ثم هي) أي: (القسمة لا تعرى عن معنى المبادلة)، والإفراز في المثلي وغيره؛ لأنه ما من جزء معين إلا وهو مشتمل على النصيبين، وكان ما يأخذ كل واحد منهما نصفه ملكه لم يستفده من صاحبه، فكان إفرازا، والنصف الآخر كان لصاحبه فصار له عوضًا عما في يد صاحبه، فكان مبادلة إلا أن الأظهر معنى الإفراز والتمييز في المثلي.


(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ٥١).
(٢) في الأصل والنسخة الثالثة (مختص)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) أخرجه أبو داود (٣/ ١١٤ رقم ٢٨٧٠)، والترمذي (٣/ ٥٠٤ رقم ٢١٢٠)، وابن ماجه (٢/ ٩٠٥ رقم ٢٧١٣) من حديث أبي أمامة قال: سمعت رسول الله يقول: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أعطى كلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيةَ لوارث».
وحسنه الترمذي وحسنه أيضًا ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ٢٠٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>