«ليس المؤمن الذي يبيتُ شَبعان وجارُهُ جائِعٌ»(١)، أي: ليس بكامل في المسكنة وليس بأعلى مراتب الإيمان، وإنما وجب حمله على هذا المحمل جمعًا بينه وبين حديث مهاجر بن قُنْفُذِ أنه سَلَّم على النبي ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ منه قال: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى [غَيْرِ](٢) طَهَارَة» (٣). ففيه دليل أنه ﵇ توضأ قبل التسمية ولكن يلزم من هذا أن لا تكون التسمية أفضل في ابتداء الوضوء ويكون وضوؤه ﵇ خالياً عنها ولا يجوز لسنة ترك الأفضل إليه ﵇(٤).
والأولى في الاستدلال ما ذكر أن هذا خبر الواحد فلا يجوز الزيادة به على إطلاق الكتاب، وأما دفع التعارض فهو أن التسمية من لوازم إكماله فكان ذكرها من تمامه والذاكر لها قبل الوضوء مضطر إلى ذكرها لإقامة هذه السنة المكملة للفرض فخصت من عموم الذكر، ومطلق الذكر ليس من ضرورات الوضوء.
والمستحب أن لا يطلق اللسان به إلا على طهارة، ويدخل التخصيص في الأذكار المنقولة على أعضاء الوضوء لأنها من مكملاته، واستغنى عن قصد الابتداء في التسمية من حيث إنها في نفسها تدل على ذلك؛ فإن الباء متعلقة بمحذوف وهو الفعل الذي جعلت التسمية مبدأ له ليقع ذلك الفعل مقيداً به في الشرع واقعا على جهة السنة، أو ليكون ذلك الفعل ملتبسا باسم [الله](٥) تبركًا، ولن يحصل هذا الغرض إلا بتقديمها لئلا يخلو جزء من أجزاء الفعل عن تركها وعن الاعتداد.
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١/ ٥٢، رقم ١١٢)، وأبو يعلى (٥/ ٩٢، رقم ٢٦٩٩)، والحاكم (٤/ ١٦٧، رقم ٧٣٠٧) من حديث ابن عباس ﵁. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الهيثمي: رجاله ثقات. مجمع الزوائد" (٨/ ١٦٧). (٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، والمثبت من النسخة الثانية. (٣) أخرجه أبو داود (١/٥ رقم ١٧)، والنسائي (١/٣٧) رقم (٣٨)، وابن ماجه (١/ ١٢٦ رقم ٣٥٠)، وابن حبان (٣/ ٨٦ رقم ٨٠٦)، والحاكم (١/ ١٦٧، رقم ٥٩٢). وصححه الحاكم. (٤) شرح معاني الآثار (١/٢٧). (٥) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، والمثبت من النسخة الثانية.