للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، إِذَا أَتْلَفَهُمَا ذِمِّيٌّ عَلَى ذِمِّيِّ، أَوْ بَاعَهُمَا الذِّمِّيُّ مِنْ الدِّمِّيِّ. لَهُ: أَنَّهُ سَقَطَ تَقَوُّمُهُمَا فِي حَقِّ المُسْلِمِ فَكَذَا فِي حَقِّ الدِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَنَا فِي

أربعة أوجه: أحدها: إتلاف المسلم خمر المسلم. والثاني: إتلاف الذمي خمر المسلم، ففي الصورتين لا ضمان بالإجماع. والثالث: إتلاف المسلم خمر الذمي. والرابع: إتلاف الذمي خمر الذمي، ففي الصورتين يجب الضمان عندنا، ومالك.

وعند الشافعي، وأحمد: لا يضمن، وعلى هذا لو باع ذمي الخمر من ذمي يجوز عندنا، خلافًا للشافعي لسقوط تقومها في حق المسلم. (لأنهم) أي: أهل الذمة، أتباع لنا في الأحكام، قال «فإذا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ فَأَعْلَمَهُم أَنّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمين، وعَلَيْهِم مَا عَلَى المُسلمين» (١)، فبين أن كل حكم يثبت في حق الذمي، ولأن عقد الذمة خلف على الإسلام فكل حكم ثبت بالإسلام يثبت بعقد الذمة، فإذا سقط تقومها في حقهم أيضًا سقط الضمان، ولا يصلح بيعها، وصار كما لو باع مسلم من مسلم خمرًا وصارت كالميتة والدم والعبد المرتد للذمي، إذ اعتقاده لا يكون حجة على المتلف.

ولنا: أن التقوم باقٍ في حقهم بدليل أن عمر أمر ببيعها لعماله، وأخذ العشرين ثمنها حين سألوه ماذا نصنع بما يمر به أهل الذمة من الخمور، فقالوا بعشرها، فقال عمر: لا، ولكن ولوهم بيعها وخذوا العشر من ثمنها، فقد جعلها مالا متقوما في حقهم حتى جوز بيعها، وأخذ العشر من ثمنها. ولأنه قال : «اترُكُوهُمْ ومَا يَدينون»، والخمر كانت متقومة في شريعة من كان قبلنا وفي صدر شريعتنا، والمزيل - وهو قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]- وجد في حقنا بدليل السباق والسياق، فبقي في


(١) قال الزيلعي: لم أعرف الحديث الذي أشار إليه المصنف. نصب الراية (٤/ ٥٥)، وقال ابن حجر: لم أجده هكذا. الدراية (٢/ ١٦٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>