للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَالمُرَادُ بِمَا رُوِيَ: نَفْيُ اسْتِبْدَادٍ وَالرُّجُوعُ وَإِثْبَاتُهُ لِلْوَالِدِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ لِلْحَاجَةِ وَذَلِكَ يُسَمَّى رُجُوعًا. وَقَوْلُهُ فِي الكِتَابِ: فَلَهُ الرُّجُوعُ، لِبَيَانِ الحُكْمِ، أَمَّا الكَرَاهَةُ فَلَازِمَةٌ لِقَوْلِهِ : العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْتِهِ وَهَذَا لِاسْتِقْبَاحِهِ.

قوله: (والمراد بما روي نفي استبداد والرجوع) من غير قضاء ولا رضًا إلا الوالد إذا احتاج إلى ذلك فإنه ينفرد بالأخذ لحاجته بلا قضاء ولا رضا، وسمي ذلك رجوعًا باعتبار الظاهر وإن لم يكن رجوعًا.

أو المراد لا يحل الرجوع ديانة ومروءة، ولهذا جاء في أكثر الروايات بلفظ: «لا يحل» فكان بمنزلة قوله : «لا يَحِلُّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان وجارُهُ إِلَى جنبه طاوِيًا» (١)، أي: لا يليق ذلك ديانة ومروءة وإن كان جائزا في الحكم إذا لم يكن عليه حق واجب، وهكذا نقول لا يليق الرجوع ديانةً ومروءة، فيكون مكروها.

ألا ترى إلى قوله : «العائد في هبته كالعائد في قيئه» (٢)، وهذا التشبيه في معنى الاستقباح والاستقذار لا في حرمة الرجوع كما زعم الشافعي.

ألا ترى أنه قال في رواية: «كالكَلبِ يَقِيْءُ ثم يعودُ في قَيئِهِ»، وفعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة، وبه نقول إنه يستقبح.

ويؤيد ما ذكرنا حديث عمر حين أراد شراء فرس حُمِلَ عليه في سبيل الله، فسأل عن ذلك رسول الله ، فقال : «لا تَبْتَعْهُ وإنْ أعطاك بدرهم» (٣)، فلما كان هذا القول موجبًا حرمة ابتياع ما تصدق به فكذلك هذا الحديث لم يكن موجبًا حرمة الرجوع في الهبة، إليه أشار في الأسرار، والمبسوط (٤).


(١) أخرجه البزار (٧٤٢٩) من حديث أنس
. وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٣٨٧٤).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ١٢٧ رقم ١٤٩٠)، ومسلم (٣/ ١٢٣٩ رقم ١٦٢٠).
(٤) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٥٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>