للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ التَّوْكِيلَ بِهِ عَلَى مَا مَرَّ، وَمُرَادُهُ التَّوْكِيلُ بِالإِسْلَامِ

قوله: (لأنه عقد يملكه بنفسه، فيملك التوكيل على ما مر) في أول باب الوكالة، وترد عليه مسألة الاستقراض، فإنه يملك الموكل ولا يملك التوكيل، وكذا ترد عليه مسألة الوكالة من جانب المسلم إليه شبهة، فإن المسلم إليه لو باشره بنفسه لقبول السلم يجوز، ولو وكل غيره لا يجوز.

قوله: (ومراده التوكيل بالإسلام) يعني يصح توكيل رب السلم غيره، بأن يعقد عقد السلم - يجوز، أما لو وكله المسلم إليه بقبول المسلم فيه لا يجوز، فإنه لو صح ذلك يجب أن يبيع الوكيل طعامًا في ذمة نفسه على أن يكون الثمن لموكله، وهو رب السلم، وذلك لا يجوز؛ لأن من باع ملك نفسه في الأعيان على أن يكون الثمن لغيره لا يجوز، فكذلك في الديون.

وإذا بطل التوكيل من المسلم إليه بقبول عقد السلم كان الوكيل عاقدًا لنفسه، فيجب الطعام في ذمته، ورأس المال مملوك له، وما سلمه إلى الأمر كان قرضًا عليه. كذا في المبسوط (١).

فإن قيل: قد يجوز التوكيل بشيء يجب في ذمة الغير، كما في التوكيل بالشراء، فإن الوكيل هو المطالب بالثمن، والثمن يجب في ذمة الموكل، فينبغي أن يجوز فيما نحن فيه لجامع معنى الدَّيْنِيَّة، فإن المسلم فيه دين في ذمة المسلم كالثمن.

قلنا: المسلم فيه دين له حكم المبيع، حتى لا يجوز الاستبدال به قبل القبض، وليس للثمن حكم المبيع، فلا يلزم من الجواز هاهنا الجواز هاهنا.

وفي الذخيرة: التوكيل بقبول السلم توكيل بما لا يملك بنفسه بعصبية الأصل؛ لأن قبول السلم بيع ما ليس عند الإنسان، وبيع ما ليس عنده لا يملكه بنفسه، فكان القياس ألا يجوز لو قبل الموكل بنفسه في السلم، والرخصة وردت في بيع ما ليس عنده لحاجته لا في الأمر ببيع ما ليس عنده، بخلاف التوكيل بالشراء، حيث يصح وإن لم يكن الثمن في ملكه؛ لأن الشراء بما ليس عند الإنسان جائز على وفق القياس، فكان الأمر به جائزا على وفق القياس.


(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٢٠٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>