للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

دخلت الدار فعبدي حر وامرأتي طالق، فقوله: وامرأتي طالق، وإن كان تاما في نفسه؛ لكن ناقصا في حق التعليق بالشرط، فكذا هذا (١).

فإن قيل: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾ [المائدة: ٣٤] فيرجع الاستثناء إلى الجميع، ومعلوم أن ما تقدم في أول الآية أمر معنى.

وقوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ﴾ خبر عن حال قائمة، ومع ذلك الاستثناء إلى الجميع، حتى لو تابوا قبل القدرة عليهم يسقط حد المحاربين عنهم.

قلنا: أول الآية وإن كان أمرًا معنى لكن صورته صورة الخبر، فإذا كان كذلك جاز رجوع الاستثناء إلى الجميع، فأما فيما نحن فيه الصيغ مختلفة؛ أمر ونهي وخبر، فلا يحسن العطف، فيرجع الاستثناء إلى ما يليه، ولأن في رجوع الاستثناء إلى ما يليه، وهو قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لا تبقى فائدة في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ إذ التوبة تزيل عذاب الآخرة قبل القدرة عليهم وبعدها.

فإن قيل: رجوع الاستثناء إلى الشهادة أولى؛ لأنه معلوم شرعًا أن التوبة تزيل الفسق بغير هذه الآية، فلا يكون رده إلى الفسق مفيدًا، ورده إلى الشهادة مفيد فائدة؛ لأنه يجوز رد الشهادة مع وجود التوبة، أما سمة الفسق لا تبقى مع وجود التوبة فيكون الاستثناء فيه منقطعًا، ومن الشهادة منفصلا، وهو أولى.

قلنا: أراد بالتوبة المذكورة في الآية التوبة من القذف وإكذاب نفسه؛ لأنه يستحق سمة الفسق، وقد كان جائزا أن تبقى سمة الفسق عليه إذا تاب من سائر الذنوب ولم يكذب نفسه، فأخبر الله تعالى بزوال سمة الفسق إذا أكذب نفسه، ويؤيد ما ذكرنا ما روي أنه قال: «المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَحْدُودًا في قَذْفٍ» (٢)، ولم يستثن فيه وجود التوبة.

وما رُويَ في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء،


(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٢٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٧٢) رقم (٢١٠٤٢) من حديث عبد الله بن عمرو .
وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٦٢٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>