المقرّ (طمع في الإمهال) يعني من حُجَّة المقرّ أن يقول: ظننت أنك تمهلني، فإن أبيت أوفيك حقك، أما لو جحد الدين حتى ثبت بالبينة فقد وجدت المماطلة.
وفي الفوائد الظهيرية: عن الإمام السرخسي: إن ظهر الدين بالبينة لا يحبسه أول مرة، وإن ظهر بالإقرار يحبسه فكان عكس مسألة الكتاب، والوجه فيه أن الدين يثبت بالبينة كان له أن يعتذر، فيقول: ما كنت علمت له عليّ دينا، فإذا علمت الآن أقضي ولا أتوانى في قضائه، ولا يمكنه مثل هذا الاعتذار في الإقرار (١).
قال الصدر الشهيد (٢): فإذا جاء أوان الحبس لا يسأل المديون: ألك مال؟ وقال الخصاف: الصواب عندي ألا يحبسه حتى يسأله: ألك مال؟ ويستحلفه على ذلك، فإن أقر أن له مالا حبسه، فإن قال: لا مال لي، قال للطالب: أثبت أن له مالا حتى أحبسه، وهو مذهب بعض القضاة.
ثم اعلم: إذا ثبت إعسار المديون لا يجوز حبسه بلا خلاف، ولا ملازمته؛ بل يمهل إلى أن يوسر، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وعندنا لا يحبس ولكن للغريم ملازمته، ولا يمنع من الكسب.
وهل يلزمه الكسب وإجارة نفسه ليصرف الأجرة والكسب إلى رب الدين؟ عندنا والشافعي (٣): لا، وعند أحمد (٤): يلزمه، وقال مالك (٥): إن كان ممن يعتاد إجارة نفسه لزمه، وبه قال الشافعي في وجه، وعليه عمل القضاة لظهور المماطلة، قال ﵇:«مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ»(٦) وفي وجه يبيع ماله الظاهر،
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٧٨)، فتح القدير (٧/ ٢٧٩). (٢) انظر: شرح أدب القاضي (٢/ ٣٦١). (٣) انظر: الأم (٣/ ٢٠٦)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٦/ ٤٠٧). (٤) انظر: المغني (٤/ ٣٣٥)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (٥/ ٣١٧). (٥) انظر: المدونة (٤/ ٦١). (٦) أخرجه البخاري (٣/ ٩٤ رقم ٢٢٨٧) ومسلم (٣/ ١١٩٧ رقم ١٥٦٤) من حديث أبي هريرة.