البراءة بالإيفاء؛ لأنه يخلي بين الطالب وبين المال ويضع عنده.
فأما البراءة بالإبراء لا توجد بفعل الكفيل وإنما توجد بفعل الطالب، فلا تكون البراءة حينئذ مضافة إلى الكفيل، وما قاله محمد إنما يستقيم إذا كان الاحتمال على السواء، وقد يُرجح أحد الاحتمالين، وهو البراءة بالقبض؛ لأنه كالحقيقة، والآخر كالمجاز.
وقيل: برئت مطاوع (١) أبرأتك، فيكون حقيقة أيضًا، واختلف مشايخنا المتأخرون فيما قال المدعى عليه: أبرأني المدعي من الدعوى التي يدعي علي، قيل: يكون إقرارًا كما لو قال: أبرأني من هذا المال، وقيل: لا يكون إقرارًا؛ لأن الدعوى قد تكون حقا وباطلا، ولو قال الطالب للكفيل: أنت في حل من المال؛ فهو كقوله: أبرأتك بإجماع الأئمة الأربعة (٢)؛ لأن لفظ الحل يُستعمل في البراءة بالإيراد (٣) دون البراءة بالقبض. كذا ذكره المحبوبي.
قوله:(وقيل في جميع ما ذكرنا) إلى آخره، في الكافي: هذا كله إذا غاب الطالب، فإن كان حاضرًا يرجع إليه أنه قبض المال أو لم يقبض؛ لأنه هو المحتمل.
فإن قيل: المجمل ما لا يمكن العمل به إلا بالبيان، وهاهنا العمل ممكن في الأوجه الثلاثة بدون البيان على ما ذكر من وجوه البيان، خصوصًا في الوجه الأول؛ لأنه بين البراءة التي ابتداؤها من الكفيل وانتهاؤها إلى الطالب، بمنزلة قوله: دفعت إلي أو قبضته منك، فلا يكون فيه إجمالا، وكذا في الثاني؛ ولهذا الاختلاف فيه أنه براء بدون القبض، وفي الوجه الثالث عمل محمد بيقين، وأبو يوسف رجح الإبراء بالقبض، كما ذكرنا، فلا يكون مجملا.
قيل في جوابه: إن قوله: (برئت)(٤) إليّ وإن كان بمنزلة الصريح في حق الإيفاء، والقبض من حيث الاستدلال، لكنه ليس بصريح فيه؛ بل هو قابل
(١) انظر: البناية (٨/ ٤٤٧). (٢) انظر: الأصل للشيباني (١٠/ ٤٩٩)، والبناية شرح الهداية (٨/ ٤٤٧)، والتوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (٦/ ٣٠٣)، وبحر المذهب للروياني (٥/ ٥٠٣)، والمبدع في شرح المقنع (٤/ ٢٣٤). (٣) البناية (٨/ ٤٤٧)، والنهر الفائق (٣/ ٥٦٦). (٤) انظر المتن ص ٢٩٦.