لا يُقبل حديثه (١)، واستحسن أهل الحديث منه هذا الطعن (٢) حتى قال ابن المبارك: كيف يقال: أبو حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد بن أبي عياش ممن لا يقبل حديثه؟ مع أنه مخالف للحديث المشهور فيُرَدُّ.
وهذا الكلام حسن لدفع شغب الخصم (٣)؛ ولكن الحجة لا تتم بهذا، الجواب (٤) أن يكون هنا قسم ثالث، كما في المقلية بغير المقلية، والدقيق بالحنطة، ولكن الحجة له ما ذكرنا من أن التمر يُطلق على الرطب لغةً وشرعًا، ولا يعتبر ما تردد عليه من الأوصاف بخلاف بيع الحنطة بالدقيق، ثم طحنت الحنطة فظهر التفاوت؛ فإنَّ بالطحن تتفرق الأجزاء، ولا يفوت جزء شاغل للكيل، فيتبين بالتفاوت بينهما بعد الطحن أنهما لم يكونا متساويين عند العقد، وكذلك المقلية بغير المقلية؛ فإنه بالقلي لا يفوت جزء شاغل للكيل، وإنما تنعدم اللطافة التي بها كانت الحنطة مثلية.
ولما ظهر التفاوت بعد القلي بأن قُليت الحنطة التي هي غير مقلية بعد ذلك حين استويا في الصفة يظهر التفاوت في الكيل عرفنا أن هذا التفاوت كان موجودًا عند العقد.
ثم صاحب الشرع أسقط اعتبار التفاوت في الجودة بالحديث، واعتبر التفاوت بين النقد والنسيئة حيث شرط اليد باليد، وصفة الجودة لا تكون حادثة بالصنع، والتفاوت بالنقد والنسيئة حادث بصنع العباد، وهو اشتراط الأجل، فصار هذا أصلا أن كل تفاوت يُبنى على صنع العباد فذلك مفسد للعقد، وفي المقلية بغير المقلية، والحنطة بالدقيق بهذه الصفة، وكلُّ تفاوت يُبتنى على ما هو ثابت بأصل الخلقة بلا صنع العباد فهو ساقط العبرة، والتفاوت بين الرطب والتمر بهذه الصفة، فلا يُعتبر كالتفاوت بين الجيد والرديء.