للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والدليل على صحة الإبراء عن الحقوق المجهولة: حديث علي حين بعثه رسول الله ليصالح بين بني جذيمة، وذلك أنه بعث أولا خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فقتل منهم قتلى، وقد كانوا اعتصموا بالسجود، فدفع عليا مالا فواداهم حتى ميلغة الكلب، وبقي في يده مال، فقال: هذا لكم مما لا تعلمون أنتم ولا يعلمه رسول الله، فبلغ ذلك رسول الله فسر به (١)، فهذا دليل على جواز الصلح عن الحقوق المجهولة.

وروي أن رجلين اختصما إلى النبي في مواريث درست، فقال : «اِسْتَهِمَا وَتَوخَّيَا الحَقَّ، وَلْيُحَلِّلْ كلُّ واحدٍ مِنكُما صَاحِبَهُ» (٢).

وفيه إجماع المسلمين أيضًا؛ لأن كل من حضره الموت في كافة الأعصار؛ استحل من معاملاته من غير نكير.

والمعنى الفقهي ما ذكرنا. ولأن هذا الشرط مقرر مقتضى العقد؛ إذ مقتضاه اللزوم، وبهذا الشرط يلزم العقد، سليمًا كان المبيع أو معيبًا، والبائع بهذا الشرط يمنع من التزام ما لا يقدر على تسليمه؛ لأن عند إطلاق العقد يلتزم تسليم المبيع بصفة السلامة، ولو كان معيبًا يكون عاجزا عن تسليمه سليما، وبهذا الشرط يلزم التسليم على الصفة التي عليها المبيع، وهو قادر على تسليمه بتلك الصفة، والقدرة على التسليم شرط جواز البيع، وقد وجد؛ لأنه مشار إليه معلوم بالإشارة إلى عينه أو مكانه.

وأما قوله: (يرتد بالردّ) فنعم؛ لما فيه من معنى التمليك حكمًا، وهذا الشبه لا يؤثر في فساد ما قلنا؛ لأنا قلنا: إن محض التمليك لا يبطل بجهالة لا يفوت التسليم بها؛ لعدم إفضائها إلى المنازعة، فلأن لا يمنع صحة الإسقاط [أولى] (٣)، مع أن المسقط لا يحتاج إلى التسليم؛ لأنه قد يكون متلاشيا فلا تؤثر فيه الجهالة. كذا في المبسوط (٤)، وإليه أشير في الأسرار.


(١) أخرجه البخاري (٥/ ١٦٠) برقم (٤٣٣٩) من حديث عبد الله بن عمر .
(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ١٠٧) برقم (٧٠٣٣) من حديث أم سلمة .
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٣) زيادة يقتضيها السياق، وانظر: المبسوط.
(٤) المبسوط للسَّرَخْسِي (١٣/ ٩٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>