للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِأَنَّ الشَّرعَ أَسقَطَ عِصْمَتَهُم جَزَاء عَلَى جِنَايَتِهِم وَجَعَلَهُم أَرِقَّاءَ وَلَا جِنَايَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ.

(وَإِذَا أَبَقَ عَبْدٌ لِمُسلِم فَدَخَلَ إِلَيْهِم فَأَخَذُوهُ لَم يَمْلِكُوهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَمْلِكُونَهُ) (*)؛ لِأَنَّ العِصْمَةَ لِحَقِّ المَالِكِ لِقِيَامِ يَدِهِ وَقَدْ زَالَت، وَلِهَذَا لَو أَخَذُوهُ مِنْ دَارِ الإِسْلَامِ مَلَكُوهُ. وَلَهُ: أَنَّهُ ظَهَرَت يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالخُرُوجِ مِنْ دَارِنَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ اعتِبَارِهِ لِتَحَقُّقِ يَدِ المَولَى عَلَيْهِ تَمْكِينًا لَهُ مِنْ الانتِفَاعِ، وَقَدْ زَالَتْ يَدُ المَولَى فَظَهَرَت قوله: (جزاء لجنايتهم) فإنهم لما أنكروا وحدانية الله تعالى جزاهم بأن

جعلهم عبيد عبيده.

(ولا جناية من هؤلاء)؛ أي (أحرارنا ومدبرينا وأمهات أولادنا ومكاتبينا).

قوله: (إذا أبق عبد المسلم)، هذا قيد اتفاقي فإنه إذا كان العبد للذمي فالحكم كذلك ذكره أبو اليسر في غناء الفقهاء: لم يملكوه عند أبي حنيفة.

وبه قال أحمد في رواية والشافعي وقالا ومالك وأحمد في المشهور منه يملكونه؛ لأن الاستيلاء ورد على محل قابل للتمليك؛ فيثبت الملك به كما لو ندت إليهم دابة وأخذوها، وكالمتردد في ديارنا إذا أحرزوه بدراهم وكابقهم إلينا، وهذا لأن العصمة لِحَقِّ المالك لوجود يده عليه وقد زالت يده عنه حقيقة وحكما فتزول عصمته.

قوله: (وله)؛ أي لأبي حنيفة إن سبب الملك الاستيلاء ولم يوجد فلا يثبت الملك، وهذا لأن للعبد يد على نفسه؛ لأنه آدمي مكلف ونعني بها القدرة على الحفظ والتصرف، ولهذا لو قبض ما وهب له تتم الهبة وإذا اشترى نفسه من مولاه لرجل لم يملك حبسه بالثمن إلا أنه سقط اعتبار يده على نفسه لظهور يد سيده عليه؛ ليتمكن السيد من الانتفاع به فإذا زالت يد سيده عنه بانفصاله عن دارنا ظهرت يده على نفسه، ودفعت يده ثبوت يد الكفر عليه فلا يتحقق الاستيلاء فلا يثبت كما لو استولوا على مكاتبينا.


(*) الراجح: قول أبي حنيفة.

<<  <  ج: ص:  >  >>