للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المُسلِمِينَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِخَيْبَرَ (وَإِنْ شَاءَ أَقَرَّ أَهْلَهُ عَلَيْهِ وَوَضَعَ عَلَيْهِم الجِزْيَةَ، وَعَلَى أَرَاضِيهم الخَرَاجَ) كَذَلِكَ فَعَلَ عُمَرُ بِسَوَادِ العِرَاقِ بِمُوَافَقَة مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَم يُحمَد مَنْ خَالَفَهُ، وَفِي كُلِّ مِنْ ذَلِكَ قُدوَةٌ فَيَتَخَيَّرُ.

للشافعي عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، ولأن الأراضي صارت حقًا للغانمين عندكم وملكاً لهم عندي بالاستيلاء؛ فلا يجوز إبطال ملكهم أو حقهم إلا ببدل يعدلها.

والخراج لا يعدلها لقلته بخلاف الرقاب أن للإمام أن يبطل حقهم أصلا بالقتل؛ فالعوض القليل أولى لأنها خلقت في الأصل أحرارًا فالإمام إذا استرقهم بدل حكم الأصل وإذا جعلهم أحرارًا بقي حكم الأصل.

وله في فتح السواد وجوه:

أحدها؛ أنه فتح صلحا لا قهرا، والمشهور عن أصحابه أنه فتح عنوة، وقسم أراضي السواد في جملة الغنائم فجعل الأراضي لأهل الخمس، ثم استطاب قلوبهم والمنقولات للغانمينن والصحيح المشهور أنه خصصها بأهل الخمسن ثم استطاب قلوبهم عنها واستردها وردها على أربابهم بخراج يؤدونه كل سنة.

وقال ابن سريج: باعها من أهلها بثمن منجم وفتحت مكة صلحا لا عنوة فيجوز بيع أراضيها عنده.

ولنا؛ حديث فتح مكة فإنها فتحت عنوة وتركت في أيديهم وأبنيتها مما تملك ولم يقسمها بين الغانمين لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، والظفر في القتال يكون لا في الصلح، وقال يومئذ: «مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَنْ ألقى السلاح فهو آمن» (١).

ولو كان الأمن ثابتا بالصلح لما احتيج إلى ذلك، وقصة أم هانئ مع علي دليل عليه أيضًا؛ فأجمع أهل العلم أنها فتحت عنوة وفتح السواد عنوة وهو مشهور في كتب المغازي.


(١) أخرجه مسلم (٢/ ١٠١٤٧٧ رقم ١٧٨٠) من حديث أبي هريرة .

<<  <  ج: ص:  >  >>