للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِأَنَّ دَفعَ الهَلَاكِ وَاجِبٌ بِأَيِّ طَرِيق يُمكِنُ وَلَا يَنبَغِي أَنْ يُبَاعَ السِّلَاحُ مِنْ أَهلِ الحَربِ، وَلَا يُجَهَّزُ إِلَيْهِم لِأَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ بَيعِ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ وَحَملِهِ إِلَيْهِم، وَلِأَنَّ فِيهِ تَقوِيَتَهُم عَلَى قِتَالِ المُسلِمِينَ، فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا الكُرَاعُ لِمَا بَيَّنَّا،

فقال : «إِنِّي رأيتُ العربَ رَمَتْكُمْ بقوس واحدة - أي: شديد الاجتماع على المعاد فأحببت أن أصرفهم عنكم فإن أبيتُم إِلَّا ذلك فأنتُم وذاك فاذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف» (١) فقد مال إلى الصلح في الابتداء لما أحس الضعف بالمسلمين؛ فحين رأى القوة لهم امتنع عن ذلك، وقد كان يعطي المؤلفة قلوبهم من الصدقة؛ لدفع ضررهم؛ فدل أنه لا بأس به عند خوف الضرر كذا في المبسوط (٢).

قوله: (لأن دفع الهلاك (واجب) بأي طريق كان، وهذا لا يجري على عمومه فإنه لو لم يكن دفع الهلاك عن نفسه إلا بإجراء كلمة الكفر، ينبغي أن يجب إجراؤها حيث لا يجب؛ بل هو ترخص فيه، وكذا لو أكرهه بقتل نفسه أن يقتل غيره لا يجب عليه قتل الغير؛ بل الصبر عن قتل الغير هو الواجب حتى لو صبر على الصورتين كان شهيدا؛ فعلم أن المراد بأي طريق) كان سوى المستثنيات التي لا إباحة في مباشرتها شرعا.

قوله: (وَلَا يُجَهِّزُ إِلَيْهِمْ)؛ أي لا يبعث التجار إليهم بالجهاز، وهو فاخر المتاع والمراد هنا السلاح والكراع والحديد.

وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (لأن فيه تقويتهم) يقال: مَارَأَهُ؛ أي أتاهم بالميرة، وهو الطعام، ولو شرطوا في الصلح أن يرد عليهم الإمام من جاءنا مسلما منهم بطل الشرط، ولم يجب الوفاء به عندنا.

وبه قال مالك وقال الشافعي وأحمد في رواية: يجب الوفاء به في الرجال


(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٤٣٠) بسنده عن ابن إسحاق قال حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله بعث إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف، وهما قائدا غطفان … وذكر القصة.
(٢) المبسوط للسَّرَخْسِي (١٠/ ٨٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>