للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الإِسْلَامِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسِ «أَنَّ النَّبِيَّ مَا قَاتَلَ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُم إِلَى الإِسْلَامِ» قَالَ: «فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْ قِتَالِهِم» لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وَقَدْ قَالَ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» الحَدِيثَ.

(وَإِنْ امْتَنَعُوا دَعَوهُم إِلَى أَدَاءِ الجِزْيَةِ بِهِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَرَاءَ الجُيُوشِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَا يَنتَهِي بِهِ القِتَالُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ تُقبَلُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وَمَنْ لَا تُقبَلُ مِنهُ كَالمُرتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الأَوثَانِ مِنْ العَرَبِ، لَا فَائِدَةَ فِي دُعَائِهِم إِلَى قَبُولِ الجِزْيَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنهُم إِلَّا الإِسْلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] (فَإِنْ بَذَلُوهَا فَلَهُم مَا لِلمُسلِمِينَ وَعَلَيْهِم مَا عَلَى المُسلِمِينَ) لِقَولِ عَلِيٌّ : إِنَّمَا بَذَلُوا الجِزْيَةَ لِيَكُونَ دِمَاؤُهُم كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُم كَأَمْوَالِنَا، وَالمُرَادُ بِالبَدْلِ: القَبُولُ وَكَذَا المُرَادُ بِالإِعطاءِ المَذْكُورِ فِيهِ فِي القُرآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ لَم تَبْلُغُهُ الدَّعوَةُ إِلَى الإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ يَدْعُوهُ) لِقَولِهِ فِي وَصِيَّةِ أُمَرَاءِ الأَجنَادِ «فَادعُهُم إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَلِأَنَّهُم بِالدَّعَوَةِ يَعْلَمُونَ أَنَّا نُقَاتِلُهُم عَلَى الدِّينِ لَا عَلَى سَلبِ الأَمْوَالِ وَسَبي الدَّرَارِيِّ، فَلَعَلَّهُم يُجِيبُونَ فَتُكفَى مُؤنَةُ القِتَالِ، وَلَو قَاتَلَهُم قَبلَ الدَّعَوَةِ أَثِمَ لِلنَّهي،

والحصن - بالكسر -؛ كلُّ مكان محميّ مُحرز لا يتوصل إلى ما في جوفه؛ فالمدينة أكبر من الحصن.

قوله: (كفوا)؛ أي امتنعوا أو امنعوا أنفسهم عن القتال؛ إذ الكف جاء لازم ومتعد.

قوله: (على ما نطق به النص)، وهو قوله تعالى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، جعل غاية قتالهم إعطاء الجزية والمراد القبول، وبالقبول يصيرون من أهل دارنا.

قوله: (فَنُكْفَى) بالنون على بناء المفعول بنصب (مؤنة) على المفعول الثاني، ولأنه تعالى قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فظاهره يدل على عدم القتل قبل الدعوة.

<<  <  ج: ص:  >  >>