للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الآخرانِ: فَلِأَنَّ المَقصِدَ مِنْ إِقَامَةِ الحَدِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى الإِنزِجَارُ، وَاحْتِمَالُ حُصُولِهِ بالأَوَّلِ قَائِمٌ فَتَتَمَكَّنُ شُبْهَةُ فَوَاتِ المَقصُودِ فِي الثَّانِي، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا زَنَى وَقَذَفَ وَسَرَقَ وَشَرِبَ، لِأَنَّ المَقصُودَ مِنْ كُلِّ جِنس غَيْرُ المَقْصُودِ مِنَ الْآخَرِ فَلَا يَتَدَاخَلُ. وَأَمَّا القَدْفُ فَالمُغَلَّبُ فِيهِ عِنْدَنَا حَقُّ اللَّهِ فَيَكُونُ مُلحَقًا بِهِمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إن اختَلَفَ المَقذُوفُ أَوْ المَقذُوفُ بِهِ وَهُوَ الزِّنَا لَا يَتَدَاخَلُ، لِأَنَّ المُغَلَّبَ فِيهِ حَقُّ العَبْدِ عِندَهُ.

(أما الآخران) أي: حد الشرب وحد الزنا، فلأن المقصود من الحد الزجر عن مباشرة سببه في المُستأنف (واحتمال حصوله) أي: حصول المقصود، وهو الانزجار، بالحد الأول قائم ثابت، فيتعطل الثاني عما هو المقصود، والحدود تدرأ بالشبهات، بخلاف ما إذا زنا فحد ثم زنا، يجب حد آخر؛ لأنا تيقنا بعدم الانزجار.

قوله: (لأن المقصود من كل جنس غير المقصود من الآخر) فحد الزنا لصيانة الأنساب، وحد السرقة لصيانة الأموال، وحد الشرب لصيانة العقول، وحد القذف لصيانة الأعراض، فلا يتداخل.

قوله: (ملحقًا بهما) أي: بحد الزنا والسرقة.

وفي المبسوط (١): لو قذف جماعة بكلمة واحدة بأن قال: يا زناة، أو كلمات متفرقة بأن قال: يا زيد أنت زان، يا عمرو أنت زان يتداخل.

قوله: (اختلف المقذوف) بأن قُذِف اثنان، أما لو كان المقذوف واحدًا والمقذوف به أيضًا واحد، بأن قذف رجلًا ثم قذفه ثانيًا بذلك الزنا يتداخل عنده أيضًا، والأصل قوله : «لا يُعاد في فِرْيَةٍ جَلْدٌ مَرَّتَيْنِ» (٢) ونقل فيه إجماع الصحابة.

وفي الفوائد الظهيرية (٣): حكي عن أبي حنيفة أن ابن أبي ليلى كان قاضيا بالكوفة، فسمع رجلًا عند باب المسجد فقال: يا ابن الزانيين فأخذه وأدخله في


(١) المبسوط للسَّرَخْسِي (٩/ ١١١).
(٢) لم أقف عليه في كتب الحديث، وذكره ابن قدامة في المغني (٥/٤٣).
(٣) ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (٥/٤٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>