للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ فَلَا حِنثَ عَلَيْهِ لِقَولِهِ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين وَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَد بَرَّ فِي يَمِينِهِ» إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الاتِّصَالِ، لِأَنَّهُ بَعدَ الفَرَاغِ رُجُوعٌ وَلَا رُجُوعَ فِي اليَمِينِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

لأن الأشياء كلها بمشيئة الله تعالى فلا يتغير بذكره حكم، وللجمهور قوله : «من حلف على يمين وقال: إن شاء الله فلا حنث عليه» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: حديث حسن.

وفي المبسوط عن العبادلة الثلاثة موقوفًا ومرفوعًا: «من حلف على يمين وقال: إن شاء الله فقد استثنى، ومن استثنى؛ فلا حنث عليه ولا كفارة» (١) إلا أن ابن عباس يجوز الاستثناء المنفصل إلى ستة أشهر، وقد مر في الطلاق وبين في الأصول.

وروي أن محمد بن إسحاق صاحب المغازي كان عند المنصور، وكان يقرأ عنده المغازي وأبو حنيفة كان حاضرًا؛ فأراد أن يغري الخليفة فقال: إن هذا الشيخ خالف جدك في الاستثناء المنفصل فقال له: أبَلَغَ من قدرك أن تخالف جدي؟ فقال له أبو حنيفة: إن هذا يريد أن يفسد عليك ملكك؛ لأنه أجاز الاستثناء المنفصل؛ فبارك الله لك في عهودك إذا أتاني الناس يبايعونك ويحلفون ثم يخرجون، ثم يخرجون ويستثنون، ثم يخالفون ولا يخشون فقال: نعم ما قلت؛ فغضب على محمد بن إسحاق وأخرجه من عنده.

وفي الصحيح استثناء المنفصل إخراج العهود كلها عن كونها ملزمة، ويبطل حكم التحليل الثابت بالنص بالزواج الثاني عند الطلقات الثلاث؛ لأن المطلق يستثني إذا ندم فلا يحتاج إلى التحليل، قال موسى : ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] ولم يُعاتب على ذلك، والوعد من الأنبياء كالعهد من غيرهم.


(١) تقدم تخريجه في الحاشية السابقة.

<<  <  ج: ص:  >  >>