للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كَمَا تَقُولُ فِي تَحْرِيمِ الحَلَالِ.

وَلَو قَالَ ذَلِكَ لِشَيء عَقَدَ فِعَلَهُ فَهُوَ الغَمُوسُ، وَلَا يَكْفُرُ اعْتِبَارًا بِالْمُسْتَقْبَلِ. وَقِيلَ: يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ تَنجِيزُ مَعنَى، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: هُوَ يَهُودِيُّ. وَالصَّحِيحُ، أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ فِيهِمَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَإِنْ كَانَ عِندَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِالحَلِفِ يَكْفُرُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالكُفْرِ حَيثُ أَقدَمَ عَلَى الفِعلِ وَلَو قَالَ: إِنْ فَعَلتُ كَذَا فَعَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ، أَوْ سَخَطُ اللَّهِ، فَلَيْسَ بِحَلِف لِأَنَّهُ دُعَاءٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالشَّرطِ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَف (وَكَذَا إِذَا قَالَ: إِنْ فَعَلتُ كَذَا فَأَنَا زَانٍ أَوْ سَارِقٌ أَوْ شَارِبُ خَمْر أَوْ آكِلُ رِبا)؛ لِأَنَّ حُرمَةَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ تَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَالتَّبْدِيلَ.

قوله: (كما تقول في تحريم الحلال) فإنه يمين عندنا بالنص، وبه قال أحمد.

وعند الشافعي لا يكون يمينًا إلا في النساء والجواري. وقال مالك: من حرم على نفسه شيئًا غير امرأته لا يلزمه شيء وليس بيمين ويجيء بعد أيضًا. ثم وجه التشبيه أن معنى اليمين يتحقق في تحريم الحلال بالقصد إلى المنع أو الإيجاب؛ لأن المؤمن يكون ممتنعًا عن تحريم الحلال فإذا جعل ذلك بيمينه علامة فعله عرفنا أنه قصد منع نفسه من ذلك الفعل، فكذا في قوله: هو كافر إن فعل كذا؛ لأن حرمة الكفر تامَّةٌ لازمةٌ كحرمة هَتْكِ اسم الله تعالى، فإذا جعل فعله علامة لذلك كان يمينا كذا في المبسوط (١).

قوله: (ولو قال ذلك لشيء عقد فعله؛ يعني ما ذكرنا إذا كان في المستقبل، أما إذا كان في الماضي لشيء عقد فعله فهو الغموس)، ولا يكفّر في المروي عن أبي يوسف اعتبارًا للماضي بالمستقبل؛ وهذا لأنه قصد به اليمين ولم يقصد به تحققه.

وقال محمد بن مقاتل: يكفّر؛ (لأنه)؛ أي ذلك القول في الماضي تعليق صورة (تنجيز معنى)؛ لأنه علقه بما هو موجود، والتعليق بشيء كائن تنجيز فكأنه قال: هو كافر.

قوله: (لأن حرمة هذه الأشياء تحتمل النسخ والتبديل)، أما الزنا والسرقة


(١) المبسوط للسَّرَخْسِي (٨/ ١٣٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>