للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بِخِلَافِ اللَّحْم؛ لِأَنَّ حُرمَةَ التَّنَاوُلِ تَنفَثُ عَنْ زَوَالِ المِلكِ فَاعْتُبِرَ أَمْرًا دِينِيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

فيقبل فيها خبر الواحد؛ لأنه أمر ديني؛ يؤيد ما ذكرنا حديث عمر أنه قال: لا يُقبل في الرضاع إلا شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين.

ولأن سبب هذه الحرمة - وهو الإرضاع - مما يطلع عليه الرجال؛ لأن ذا الرحم المحرم يطلع على الثدي، وهو مقبول الشهادة في ذلك.

ولأن الإرضاع كما يحصل من الثدي يحصل بالإيجار من القارورة، وذلك مما يطلع عليه الرجال؛ فلا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين.

وحديث عقبة دليلنا؛ فإنه أعرض عنه في المرتين؛ فلو كانت الحرمة ثابتة لما فعل ذلك.

ثم إنه رأى منه طمأنينة قلبه إلى قولها حيث أعاد السؤال؛ فأمره أن يفارقها احتياطا، والدليل عليه أن الشهادة كانت عن ضغن؛ فإنه قال: "جاءت امرأة سوداء أي: حمقاء- تستطعمنا؛ فأبينا أن نطعمها؛ فجاءت تشهد على الرضاع" (١) وبالإجماع مثل هذه الشهادة لا تثبت الحرمة؛ فعرف أن ذلك كان احتياطا على وجه التنزه. وإليه أشار في قوله : «كيف وقد قيل» (٢).

وعندنا: [أنه] (٣) لو وقع في قلبه صدقها؛ فالأولى أن يتنزه ويأخذ بالثقة، سواء كان الإخبار قبل النكاح أو بعده. وبه قال الشافعي؛ لأنه ترك نكاح امرأة فالأحوط التنزه؛ فأما القاضي لا يفرق [بينهما] (٤) إلا بحجة. كذا في المبسوط (٥).


(١) ذكره السرخسي في المبسوط (٥/ ١٣٨).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) ما بين المعقوفتين زيادة من المبسوط.
(٤) ما بين المعقوفتين زيادة من المبسوط.
(٥) المبسوط للسرخسي (٥/ ١٣٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>