للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَهُوَ مُسَافِرٌ، أَوْ خَارِجَ المِصْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ نَحْوُ

(والتيمم ضربتان)، حيث بين الحكم في أربعة نفر كما بين في الآية من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ولكن قوله: (الخارج المصر) يقابل قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ﴾ [المائدة: ٦].

ثم شرعية التيمم بهذه الآية رخصة مخصوصة بهذه الأمة، والرخصة فيه من حيث الآلة حيث اكتفى بالصعيد الملوث حقيقة، وفي محله حيث اكتفى فيه بشطر أعضاء الوضوء، وقيل: إنما اكتفى فيه بالمسحتين لأن الأصل في أركان الوضوء غسل الوجه والذراعين بحيث لا ينوبهما شيء من المسح، بخلاف الرأس والرجل فإن المسح فيهما ينوب عن الغسل فلذا اكتفى بهما.

فإن قيل: كيف ترك التأسي بكتاب الله تعالى في تقديم المسافر أو خارج المصر على المريض، وفيه قدم المريض عليهما؟

قلنا: قال العلامة: إنما قدم المسافر أو خارج المصر لأن الحاجة إلى ذكرهم أمس لكونهما أعم لكثرة وقوعهما من المرض، أو لأن عدم الماء فيهما حقيقي، وفي المريض حكمي، وذكر في الآية عدم وجدان الماء ويتناول الكامل وكامله في حقهما، أما الآية لبيان شرعية الرخصة مرحمة للعباد، والمريض أحق بها.

ولأن المرض عارض ثبت من الله تعالى بلا اختيار، والسفر باختيار العبد فقد بيان الحكم فيما جاء من قبله، وفي الرواية انعدم المعنيان في حقهما عدم الماء حقيقي وفي حقه حكمي فلذا قدمهما، كذا في البدرية (١).

وفي المبسوط: التيمم لغة القصد (٢).

ومنه قول الشاعر (٣):

فما أدري، إذا يممت أرضا أريد … الخير، أيهما يليني؟

أم الخير الذي أنا أبتغيه، … أم الشر الذي هو يبتغيني؟


(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٥/٢٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٥١٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٧٢).
(٣) البيتان من الوافر، وهما للمثقب العبدي في ديوانه (ص ٢١٢)، وخزانة الأدب (١١/ ٨٠)، وشرح اختيارات المفضل (ص ١٢٦٧)، وشرح شواهد المغني (١/ ١٩١).

<<  <  ج: ص:  >  >>