وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجْزِيَهُم اعْتِبَارًا بِمَا إِذَا وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِزَمَانِ وَمَكَانٍ فَلَا يَقَعُ عِبَادَةٌ دُونَهُمَا.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ وَعَلَى أَمْرٍ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ
أنهم رأوا هلال ذي الحجة ليلة كان اليوم الذي وقفوا فيه اليوم العاشر (١).
وجه القياس أن الوقوف في حق الزمان كالمكان، فكما لا يكون الوقوف قربة في غير ذلك المكان لا يكون قربة في غير ذلك الزمان، ولهذا لو شهدوا أنهم وقفوا يوم التروية لا يجزئهم، وبه قال مالك (٢)، والشافعي في الأصح (٣)، وأحمد في رواية، والأصح عند أحمد: يجزئهم (٤)، فكذا هذا.
(وجه الاستحسان)، وبه قال الشافعي (٥) وأحمد، ومالك.
حرفان، أحدها: (أن هذه شهادة قامت على النفي)، وهو نفي جواز وقوفهم، وجواز حجهم، فلا يقبل؛ لأن المقصود من البينات الإثبات، وبالنفي لا يفيد العلم، ولا شهادة بدون العلم.
فإن قيل: لو ادعت المرأة أن زوجها قال لها: أنتِ طالق، وادعى الزوج أنه استثنى بعد ذلك، فشهدوا على أنه لم يستثن؛ تُقبل.
وكذا لو ادعت أنه قال: المسيح ابن الله، وادعى الزوج أنه وصل ذلك بقوله: قول النصارى؛ تقبل الشهادة على أنه لم يقل: قول النصارى، وهذا نفي.
قلنا: هذه الشهادة قامت على أمر مشاهد معاين وهو السكوت.
فإن قيل: هنا أيضًا قامت على أمر معاين، وهو هلال ذي الحجة.
قلنا: لا كذلك؛ لأن رؤية الهلال لا تدخل تحت الحكم.
وفي الخبازية: هذه الشهادة قامت على النفي، وعلى ما لا يدخل تحت الحكم، فقال هذا المجموع كيلا يكون يلزم النقض بما لو شهدوا على أنه لم
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٤/ ٤٩٤).
(٢) انظر: النوادر والزيادات لأبي زيد القيرواني (٢/ ٤٣٠)، والتبصرة للخمي (٣/ ١٢١٥).
(٣) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ٤٢٥)، والمجموع للنووي (٨/ ٢٩١).
(٤) انظر: الفروع لابن مفلح (٦/ ٧٩)، والإنصاف للمرداوي (٤/ ٦٦).
(٥) انظر: المجموع للنووي (٨/ ٢٩١).