للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا نَحَرَهَا وَصَبَغَ نَعْلَهَا بِدَمِهَا وَضَرَبَ بِهَا صَفْحَةَ سَنَامِهَا وَلَا يَأْكُلُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الأَغْنِيَاءِ مِنهَا) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيَّ وَالمُرَادُ بِالنَّعْلِ قِلَادَتُهَا، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلُ مِنهُ الفُقَرَاءُ دُونَ الأَغْنِيَاءِ.

وَهَذَا لِأَنَّ الإِذْنَ بِتَنَاوُلِهِ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحِلَّ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا، إِلَّا أَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الفُقَرَاءِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَهُ جَزَرًا لِلسِّبَاعِ، وَفِيهِ نَوْعُ تَقَرُّبِ، وَالتَّقَرُّبُ هُوَ المَقْصُودُ (فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً أَقَامَ غَيْرَهَا مَقَامَهَا، وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ صَالِحًا لِمَا عَيَّنَهُ، وَهُوَ مِلْكُهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ (وَيُقَلِّدُ هَدْيَ التَّطَوُّعِ

يشتغل ببيان ما يصنع به (١).

والثاني في الذي تهيأ له ذلك دون الأغنياء؛ لما روينا في حديث ناجية، وعند الشافعي لا يجوز له الأكل، ولا الفقراء رفقته، ولا للغني في الأظهر إن كان واجبًا (٢)، وفي وجه يجوز، وبه قال مالك كما لفقراء غير رفقته (٣).

وهل يجوز الأكل بالعلامة من غير سماع الإباحة من المهدي؟ فيه قولان له، في قول: يباح، كقولنا، وفي قول: صح، لا يباح.

ولو أخر ذبحه حتى مات أو أتلفه ضمن بأكثر الأمرين من القيمة أو الهدي مثله عند الشافعي (٤)، وعندنا يضمن قيمته لا غير.

(بلوغه محله)، قال تعالى: ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج ٣٦]، فإذا لم تبلغ محلها لا يباح له التناول منها؛ لأنه قصد بها التقرب إلى الله تعالى بالتصدق، وذلك بالتصرف إلى الفقراء دون الأغنياء، كذا في المبسوط (٥).

(جزرا) بفتحتين، اللحم الذي تأكله السباع، هكذا نقل عن عائشة.

(لأنه)، أي: الهدي لم يبق صالحًا لما عينه، فإنه قصد به إخراج الواجب


(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٤/ ٤٩٤).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٤/ ٣٨١)، والبيان للعمراني (٤/ ٤١٨).
(٣) انظر: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد (٢/ ١٤١).
(٤) انظر: حلية العلماء للشاشي (٣/ ٣١٥)، والبيان للعمراني (٤/ ٤١٩).
(٥) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٤/ ١٤٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>