للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ أُحْصِرَ لَا يَكُونُ مُحْصَرًا) لِوُقُوعِ الأَمْنِ عَنْ الفَوَاتِ.

(وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَكَّةَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ الطَّوَافِ وَالوُقُوفِ فَهُوَ مُحْصَرٌ)؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإِثْمَامُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أُحْصِرَ فِي الحِلِّ (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ)

الفوت؛ لقوله : «مَنْ وقف بعرَفَةَ فقد تمّ حَجَّهُ» (١) فكان المنع بعد التمام فلا يكون محصرًا.

ومعنى قوله تعالى: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة ١٩٦] أي: منعتم عن إتمام الحج والعمرة، ولكنه يبقى محرمًا إلى أن يطوف للزيارة والصدر ويحلق أو يقصر وعليه دم؛ لترك الوقوف بمزدلفة ولرمي الجمار دم، ولتأخير الطواف دم، ولتأخير الحلق دم عند أبي حنيفة، فكان عليه أربعة دماء عنده، وعندهما ليس لتأخير الطواف شيء لما بينا (٢).

فإن قيل: أليس إنكم قلتم: إذا ازداد عليه مدة الإحرام ثبت حكم الإحصار في حقه.

قلنا: وقد ثبت زيادة مدة الإحرام هنا، فلماذا لم يثبت حكم الإحصار في حقه؟ قلنا: لا كذلك فإنه متمكن من التحلل بالحلق إلا في حق النساء وإن كان يلزمه بعض الدماء فلا يتحقق العذر الموجب للتحلل هنا. كذا في المبسوط (٣).

قوله: (ومن أحصر بمكة) لا يتحقق الإحصار بمكة عندنا إلا إذا منع عن الوقوف والطواف جميعًا (٤). وقال الشافعي: يتحقق الإحصار بمكة مطلقا سواء قدر على أحدهما أو لا (٥)؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] والنهي عن الحلق مُغيًّا ببلوغ الهدي الحرم دليل على أنه خارج الحرم، ولا يقاس المحصر بمكة؛ لأن العجز عن تكميل الأفعال خارج الحرم غالب الوجود وبمكة نادر، ولا يقاس النادر على الغالب.

قوله: (فليس بمحصر)، أي: لا يتحلل بالدم؛ لأنه بأيهما أحصر فله أن


(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٢/ ٨١)، والبحر الرائق لابن نجيم (٣/ ٦٠).
(٣) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٤/ ١١٤).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ١٧٧)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٤٧٣).
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٤/ ٣٤٩)، والبيان للعمراني (٤/ ٣٩٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>