للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صَحِيحٌ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ بِوَصِيَّةٍ جَازَ، لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي دَارِ الإِسْلَامِ فَهُوَ فِي المُعَامَلَاتِ بِمَنْزِلَةِ الذُّمِّيِّ، وَلِهَذَا تَصِحٌ عُقُودُ التَّمْلِيكَاتِ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَيَصِحُ تَبَرُّعُهُ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ مُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ، إِذْ هُوَ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ وَيُمَكَّنُ مِنْهُ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ زِيَادَةِ المُقَامِ عَلَى السَّنَةِ إِلَّا بِالجِزْيَةِ. وَلَوْ أَوْصَى الذَّمِّيُّ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُمْ التَزَمُوا أَحْكَامَ الإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى المُعَامَلَاتِ.

وَلَوْ أَوْصَى لِخِلَافِ مِلَّتِهِ جَازَ، اعْتِبَارًا بِالإِرْثِ، إذ الكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ أَوْصَى لِحَرْبِيٌّ، فِي دَارِ الإِسْلَامِ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الإِرْثَ مُمْتَنِعُ

قوله: (لما بينا) وهو أن امتناع الوصية بما زاد على الثلث لحق الورثة إلى آخره.

قوله: (ولو أوصى له مسلم أو ذمي بوصيّة جاز)، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر أصحاب الشافعي، حتى قالوا: جاز الوصية للحربي في دار الحرب.

أما عندنا، وبعض أصحاب الشافعي: لا يجوز في دار الحرب.

وعن أبي حنيفة ، وأبي يوسف: لا يجوز في دار الإسلام أيضًا.

قوله: (لأنه من أهل الحرب) وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] فدلت الآية أن المبرة في حق من قاتلنا لا تحل.

قوله: (ولو أوصى لحربي في دار الإسلام)، وقوله: (في دار الإسلام) ظرف لأوصى لا لحربي (فإن الوصية عندنا للحربي في دار الحرب لا تجوز) باتفاق الروايات.

وقد قلنا: إن عند مالك، وأحمد، وأكثر أصحاب الشافعي: يجوز؛ لما روي أنه أعطى لعمر حلة من حرير، فقال عمر: يا رسول الله وقد قلت في الحرير ما قلت، فقال : «إنّي لَم أُعطِكَها لِتَلْبَسَها فكساها عمر أخا له مشركًا بمكة».

<<  <  ج: ص:  >  >>