للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَهُ؛ لِأَنَّهُ إِبَاحَةُ المَنَافِعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، وَالمُبَاحُ لَهُ لَا يَمْلِكُ الإِبَاحَةَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْمِلْكِ لِكَوْنِهَا مَعْدُومَةً، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهَا مَوْجُودَةً فِي الإِجَارَةِ لِلضَّرُورَةِ. وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِالإِبَاحَةِ هَاهُنَا.

وَنَحْنُ نَقُولُ: هُوَ تَمْلِيكُ المَنَافِعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَيَمْلِكُ الْإِعَارَةَ كَالمُوصَى لَهُ بِالخِدْمَةِ، وَالمَنَافِعُ اعْتُبِرَتْ قَابِلَةٌ لِلْمِلْكِ فِي الإِجَارَةِ، فَتُجْعَلُ كَذَلِكَ فِي الإِعَارَةِ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا لَا تَجُوزُ فِيمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْتَعْمِلِ دَفْعًا لِمَزِيدِ الضَّرَرِ عَنْ المُعِيرِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِاسْتِعْمَالِهِ لَا بِاسْتِعْمَالِ غَيْرِهِ. قَالَ العَبْدُ الضَّعِيفُ: وَهَذَا إِذَا صَدَرَتْ الإِعَارَةُ مُطْلَقَةٌ. وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهِ: أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةٌ فِي الوَقْتِ وَالانْتِفَاعِ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ فِيهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ أَيَّ نَوْعٍ شَاءَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ عَمَلًا بِالإِطْلَاقِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً فِيهِمَا، وَلَيْسَ لَهُ، أَنْ يُجَاوِزَ فِيهِ مَا سَمَّاهُ عَمَلًا

له أن يعيره، بناءً على ما مر أن الإعارة إباحة المنافع عنده، والمباح له لا يقدر أن يبيح غيره.

وقوله: (وإنما لا يجوز)، إلى آخره جواب لشبهة تَرِدُ علينا بأن العارية لو كانت تمليك المنفعة لما اختلف الحكم في صحة إعارته بين ما يختلف وما لا يختلف، فقال: (إنما لا يجوز فيما يختلف لدفع زيادة الضرر على المعير) إلى آخره.

(وهذا) أي: ما ذكرنا من ولاية الإعارة للمستعير.

قوله: (مطلقة)، أي: عن الوقت والانتفاع.

(وهو) أي: ما يصدر عن عقد الإعارة على أربعة أوجه، وانحصاره على الأربعة ضرورة؛ لأن الشيئين - وهو الإطلاق والتقييد - دارا في الشيئين وهما: الوقت والانتفاع -، فكانت أربعة لا محالة.

قوله: (ليس له أن يجاوز ما سماه)، مثلا استعار الدابة ليحمل عليها عشرة أقفزة حنطة فلا يحتمل غيرها، إلا إذا كان خلافًا إلى مثل ذلك بأن قال: عشرة أقفزة من هذه الحنطة، أو من حنطة، فحمل عليها عشرة أقفزة من حنطة غير المشار إليها، أو من حنطة غيره، أو خير منه بأن قال: عشرة أقفزة حنطة،

<<  <  ج: ص:  >  >>