ذلك الشاهد أو لم يعلم، فحينئذ يُقبل، ولو ادعى البيض تُقبل شهادته؛ لأنهما اتفقا على الأقل لفظا ومعنى، وكذا في جميع المواضع في الجنس الواحد، بخلاف الجنسين. كذا في الذخيرة (١).
فإن قيل: يشكل على قول أبي حنيفة ما لو ادعى ألفين، وشهدا بألف تُقبل بالاتفاق، ذكره في المبسوط، مع أن شرط صحة القضاء الموافقة بين الدعوى والشهادة، ولم يوجد.
قلنا: الاتفاق في اللفظ بين الدعوى والشهادة ليس بشرط لصحة الدعوى حسب اتفاقه بين الشاهدين، ألا ترى أنه لو ادعى الغصب أو القتل، وشهدا بإقراره به - تقبل، ولو شهد أحدهما بالغصب، والآخر بالإقرار بالغصب لا تقبل!
وهذا لأن الشهادة تعتمد التلفظ، ألا ترى أنها لم تُقبل ما لم يقل: أشهد! بخلاف الدعوى، فإنه لو صحح العقد دعواه بالكتابة تُقبل دعواه.
وفي المبسوط (٢) والأسرار: والذي يبطل مذهبهما ما لو شهد شاهدان بتطليقة وآخران بثلاث تطليقات، وفرّق القاضي بينهما قبل الدخول، ثم رجعوا - كان ضمان نصف المهر على شاهدي الثلاث لا على شاهدي الواحدة، ولو اعتبر ما قالا - أن الواحدة توجد في الثلاث لكان الضمان عليهما جميعًا، ولأن مدعي إلهين اثنين أو الثلاثة لا يكون مقرًا بالواحد؛ إذ لو كان مقرًا بالواحد لكان مرتدا بالشرك بعد ذلك، فينبغي أن تقبل، ولا يلزم ما إذا قال لامرأته: طلقي نفسك ثلاثا، فقالت: طلقت واحدة؛ لأن الزوج لما فوّض إليها الثلاث فصارت الثلاث في يدها مع أبعاضها، كمن ملك عبدًا يملك رجله ويده، ولا يلزم ما لو طلق امرأته ألفًا فإن الثلاث تقع؛ لأن الرجل تكلم بالطلاق عن ملك لا عن أمر من حيث إنه ملك التطليق فيملك ما يشاء من العدد، إلا أنه لا يتقيد إلا بقدر المحل.
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٤٦٨). (٢) المبسوط للسرخسي (٦/ ١٤٩).