للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَعِندَهُمَا: يُقَدَّرُ بِزَوَالِ الرَّائِحَةِ، لِقَولِ ابنِ مَسْعُود: فَإِنْ وَجَدتُم رَائِحَةَ الخَمرِ فَاجْلِدُوهُ.

وَلِأَنَّ قِيَامَ الأَثَرِ مِنْ أَقوَى دَلَالَة عَلَى القُربِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَى التَّقْدِيرِ بِالزَّمَانِ عِنْدَ تَعَدُّرِ اعْتِبَارِهِ، وَالتَّمْيِيزُ بَينَ الرَّوَائِحِ مُمكِنٌ لِلمُستَدِلٌ، وَإِنَّمَا تَسْتَبِهُ عَلَى الجُهَّالِ.

وَأَمَّا الإِقْرَارُ فَالتَّقَادُمُ لَا يُبْطِلُهُ عِنْدَ مُحَمَّد كَمَا فِي حَدِّ الزِّنَا عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ.

وَعِندَهُمَا: لَا يُقَامُ الحَدُّ إِلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرَّائِحَةِ، لِأَنَّ حَدَّ الشَّرْبِ ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَلَا إجمَاعَ إِلَّا بِرَأْيِ ابْنِ مَسْعُود وَقَدْ شَرَطَ قِيَامَ الرَّائِحَةِ عَلَى مَا رَوَينَا.

(فَإِنْ أَخَذَهُ الشُّهُودُ وَرِيحُهَا تُوجَدُ مِنهُ أَوْ سَكرَانُ، فَذَهَبُوا بِهِ مِنْ مِصر إِلَى مِصر فِيهِ الإِمَامُ، فَانقَطَعَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنتَهُوا بِهِ حُدَّ فِي قَوْلِهِم جَمِيعًا) لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ كَبُعدِ المَسَافَةِ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالشَّاهِدُ لَا يُتَّهَمُ فِي مِثْلِهِ.

(وَمَنْ سَكِرَ مِنْ النَّبِيدِ حُدّ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَقَامَ الحَدَّ عَلَى أَعْرَابِي سَكِرَ مِنْ

مقطوعة يصدق في إقراره، وإلا فلا، والمعنى المحصل؛ احتيال الدرء.

قوله: (لأن حد الشرب يثبت بإجماع الصحابة) وإنما أضافه إلى الإجماع مع قوله : «مَنْ شَرِبَ الخمرَ فاجْلِدوهُ … » الحديث (١)؛ لما أنه من قبيل الآحاد وبمثله لا يثبت الحد، والإجماع حجة قطعية فتثبت به، والشاهد لا يتهم في مثله يعني في صورة زوال الرائحة بالعذر.

وفي المحيط (٢): كما لو زالت الرائحة بالمعالجة، والأصل فيه أن قوما شهدوا عند عثمان على عقبة بشرب الخمر، وهو كان بالكوفة، فحمله عثمان إلى المدينة وأقام الحد عليه.

قوله: (وَمَنْ سَكِرَ مِنَ النَّبِيذِ حُدَّ … ) إلى آخره، وعند الأئمة الثلاثة: كل ما أسكر كثيره فقليله حرام، وله حكم الخمر في الحد، على ما يجيء في الأشربة إن شاء الله تعالى.

والمراد بالنبيذ ما غلا واشتد سواء كان من الزبيب والتمر، أو التمر


(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) ينظر: البناية شرح الهداية للعيني (٦/ ٣٥٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>