وإن كان الفعل حراما تثبت به الحرمة إذا تحقق فيه المعنى الموجب للحرمة (١)؛ لأن معنى البضعية لا ينعدم به حقيقة.
ولو سلمنا له حرمة اللبن؛ فبالحرمة لا يخرج عن كونه معتديا؛ ألا ترى أن لحم الميتة مُغَذِّ فكذا لبنها.
وبه فارق وطء الميتة؛ لأن معنى البضعية ينعدم منه أصلا؛ وهو معنى ما قال في الكتاب:(الجماع بعد الموت ليس بجماع)، وإيجار لبن الميتة رضاع، وشبه اللبن بالبيضة؛ فإنها لا تخرج بالموت من كونها مغذية؛ فكذا اللبن (٢)؛ وبه يُعرف ما ذكر الشيخ في المتن من قوله (ولنا) إلى قوله (فافترقا).
قوله:(وهذه الحرمة تظهر في حق الميتة) إلى آخره، جواب عما قال الخصم: أنها بالموت لم تبق محلا (٣).
فإن قيل: الرضيع غير قادر على الدفن والتيمم؛ فكيف يثبت هذا الحكم في حقه؟
قلنا: القدرة ليست بلازمة لثبوت الحكم؛ بدليل حل الوطء للعنين مع عدم قدرته عليه.
ولأنه جاز أن يتزوج الصغيرة رجل؛ فتصير الميتة أم امرأته من الرضاع؛ فيثبت هذا الحكم في حقه بواسطتها، وكذا جاز أن يتزوج امرأة كبيرة فيثبت هذا الحكم في حقها بواسطة الصغير.
(١) ما بين المعقوفتين زيادة من المبسوط. (٢) المبسوط للسرخسي (٥/ ١٣٩). (٣) بانه: أن الحرمة بسبب الرضاع (تظهر في حق الميتة) من حيث جواز الدفن ومن حيث جواز التيمم. البناية شرح الهداية (٥/ ٢٧٣).