ولما روينا من حديث قبة عائشة وحفصة (١)، فإذا كره لهنَّ النبي ﵇ الاعتكاف في المسجد، مع أنهنَّ كنَّ يخرجن إلى الجماعة في ذلك الوقت؛ فلأن يمنعن في زماننا أولى.
وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁: أن اعتكافها في مسجد الجماعة جائز؛ لكن في مسجد بيتها أفضل هو الصحيح؛ لأن مسجد الجماعة يدخله كل أحد، وهي طول النهار لا تقدر أن تكون مستترة، ويخاف [عليها](٢) الفتنة من الفسقة، فالمنع لهذا المعنى راجع إلى الاعتكاف، فلا يمنع جوازه في غيره، والحرمة التي ذكرها إنما يثبت في المسجد المطلق لا المقيد، ونحن لا نسلم أن شرط الاعتكاف المسجد.
فإن قيل: الله تعالى ذكر المساجد مطلقا، فلابد من الدليل على أن المراد المساجد المقيدة.
قلنا: إنما كانت المساجد المطلقة شرطًا والله أعلم؛ لأن حال الصلاة حال القرب، والتخلي بالله تعالى للنجوى والثناء والاستغفار، والإخلاص لله تعالى بكل جارحة بالتحرم عن جميع أفعال الدنيا، فإن نفس اللبث من المعتكف هو العبادة في المكان المُعَدِّ للصلاة، ولما كان المسجد شرطا؛ لأنه مكان الصلاة لم يشترط فيه معنى آخر، وهو مكان صار لله تعالى، وقد ذكرنا أن صلاتها في بيتها أفضل؛ فلذلك كان الاعتكاف لها فيه أفضل، وتلك البقعة في حقها كمسجد الجماعة في حق الرجل منه.
([لا يخرج] (٣) منه إلا لحاجة الإنسان): ولو حاضت خرجت، ولا يلزمها به
(١) أخرجه البخاري (٣/٤٨، رقم ٢٠٣٣) من حديث عائشة ﵂ كان النبي ﷺ، يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء، فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي ﷺ رأى الأخبية، فقال: «ما هذا؟» فأخبر، فقال النبي ﷺ: «آلبر ترون بهن» فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال. (٢) ما بين المعقوفتين زيادة من النسخة الثانية. (٣) ما بين المعقوفتين زيادة من النسخة الثانية.