للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأن التواريخ وذكر السير راحة القلب، وجلاء الهم، وتنبيه للعقل؛ فإنه إن ذكرت عجائب المخلوقات .. دلت على عظمة الصانع، وإن وصفت أحوال ظريف .. أوجبت التعجب من الأقدار، والتنزه فيما يشبه الأسمار (١).

[منافع التاريخ الدنيوية والأخروية]

وذكر ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ»: (أن التاريخ له منافع دنيوية وأخروية:

فأما الدنيوية:

فمنها: أن الإنسان يحب البقاء، ويؤثر أن يكون في زمرة الأحياء، فيا ليت شعري؛ أي فرق بين ما رآه أمس أو سمعه، وبين ما قرأه في الكتب المتضمنة أخبار الماضين، وحوادث المتقدمين؟! فإذا طالعها .. فكأنه عاصرهم، وإذا علمها .. فكأنه حاضرهم.

ومنها: أن الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان، ورأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس، فيرويها خلف عن سلف، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر، وقبح الأحدوثة، وخراب البلاد، وهلاك العباد، وذهاب الأموال، وفساد الأحوال .. استقبحوها، وأعرضوا عنها، واطرحوها.

وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين، وحسنها، وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم، وأن بلادهم وممالكهم عمرت، وأموالها درت .. استحسنوا ذلك، ورغبوا فيه، وثابروا عليه، وتركوا ما ينافيه، هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التي دفعوا بها مضرات الأعداء، وخلصوا بها من المهالك، واستصانوا نفائس المدن وعظيم الممالك، ولو لم يكن فيها غير هذا .. لكفى به فخرا.

ومنها: ما يحصل للإنسان من التجارب، والمعرفة بالحوادث، وما تصير إليه عواقبها؛ فإنه لا يحدث أمر إلا قد تقدم هو أو نظيره؛ فيزداد بذلك عقلا،


(١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧، ٢١).

<<  <   >  >>