ثم إن أباه عهد إليه، فلما مات .. بويع بالخلافة، ووصل الخبر إليه ببغداد، فخطب الناس فقال:(إن أمير المؤمنين عبد دعي فأجاب، وأمر فأطاع، واغرورقت عيناه، فقال: قد بكى رسول الله ﷺ عند فراق الأحبة؛ ولقد فارقت عظيما، وقلدت جسيما، فعند الله أحتسب أمير المؤمنين، وبه أستعين على خلافة المسلمين.
أيها الناس؛ أسروا مثل ما تعلنون من طاعتنا .. نهبكم العافية، وتحمدوا العاقبة، واخفضوا جناح الطاعة لمن نشر معدلته فيكم، وطوى الإصر عنكم، وأهال عليكم السلامة من حيث رآه الله مقدما ذلك، والله؛ لأفنين عمري بين عقوبتكم والإحسان إليكم) (١).
قال نفطويه:(لما حصلت الخزائن في يد المهدي .. أخذ في رد المظالم، فأخرج أكثر الذخائر ففرقها، وبر أهله ومواليه)(٢).
وقال غيره: أول من هنأ المهدي بالخلافة وعزاه بأبيه: أبو دلامة فقال (٣): [من الكامل]
عيناي واحدة ترى مسرورة … بأميرها جذلي وأخرى تذرف
تبكي وتضحك تارة ويسوءها … ما أنكرت ويسرها ما تعرف
فيسوءها موت الخليفة محرما … ويسرها أن قام هذا الأرأف
ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى … شعرا أسرحه وآخر أنتف
هلك الخليفة يا لدين محمد … وأتاكم من بعده من يخلف
(١) أخرجه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) (٥٣/ ٤١٩ و ٤٢٠) وفرق هذه الخطبة في خبرين. (٢) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ٣٩٣)، وابن عساكر في «تاريخه» (٥٣/ ٤٢١) من طريق نفطويه، عن أبي العباس المنصوري، ونفطويه: هو إبراهيم بن محمد بن عرفة. (٣) أخرجه الخطيب في (تاريخه) (٥/ ٣٩٢)، وابن عساكر في «تاريخه» (٥٣/ ٤١٩)، والأبيات في «ديوانه» (ص ٦٤).