وولى الأمين علي بن عيسى بن ماهان بلاد الجبال: همذان ونهاوند، وقم وأصبهان، في سنة خمس وتسعين، فخرج علي بن عيسى من بغداد في نصف جمادى الآخرة ومعه الجيش لقتال المأمون أربعون ألفا، في هيئة لم ير مثلها، وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه.
فأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين في أقل من أربعة آلاف، فكانت الغلبة له، وذبح علي، وهزم جيشه، وحملت رأسه إلى المأمون، فطيف بها في خراسان، وسلم على المأمون بالخلافة.
وجاء الخبر إلى الأمين وهو يتصيد السمك، فقال للذي أخبره:(ويلك!! دعني؛ فإن كوثرا قد صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئا بعد)(١).
[[حصار بغداد وخوف أهلها]]
وقال عبد الله بن صالح الجرمي: لما قتل علي .. أرجف الناس ببغداد إرجافا شديدا، وندم الأمين على خلعه أخاه، وطمع الأمراء فيه، وشغبوا جندهم بطلب الأرزاق من الأمين، واستمر القتال بينه وبين أخيه، وبقي أمر الأمين كل يوم في إدبار؛ لانهماكه في اللعب والجهل، وأمر المأمون في ازدياد إلى أن بايعه أهل الحرمين وأكثر البلاد بالعراق.
وفسد الحال على الأمين جدا، وتلف أمر العسكر، ونفدت خزائنه، وساءت حال الناس بسبب ذلك، وعظم الشر، وكثر الخراب والهدم من القتال ورمي المجانيق والنفط؛ حتى درست محاسن بغداد، وعملت فيها المراثي، ومن جملة ما قيل في بغداد (٢): [من الوافر]
بكيت دما على بغداد لما … فقدت غضارة العيش الأنيق
أصابتها من الحساد عين … فأفنت أهلها بالمنجنيق
(١) انظر «تاريخ الطبري» (٨/ ٣٩٠ - ٣٩٥). (٢) البيتان من قصيدة أوردها الطبري في «تاريخه» (٨/ ٤٥٧)، وانظر «تاريخ الإسلام» (١٣/٥٠).