حتى صار فن التاريخ واهيا مختلطا، وناظره مرتبكا، وعد من مناحي العامة
فإذا؛ يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم والبقاع والأعصار، في السير والأخلاق والعوائد، والنحل والمذاهب، وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق، أو بون ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منها والمختلف، والقيام على أصول الدول والملل، ومبادئ ظهورها، وأسباب حدوثها، ودواعي كونها، وأحوال القائمين بها وأخبارهم؛ حتى يكون مستوعبا لأسباب كل خبره
وحينئذ يعرض خبر المنقول، على ما عنده من القواعد والأصول؛ فإن وافقها وجرى على مقتضاها .. كان صحيحا، وإلا .. زيفه واستغنى عنه) (١)
[شروط المؤرخ]
ولقد عقد الإمام السخاوي رحمه الله تعالى فصلا خاصا بشروط المؤرخ فقال: وأما شرط المعتني به:
١ - فالعدالة مع الضبط التام الناشئ عنه مزيد الإتقان والتحري، ولا سيما فيما يراه في كلام كثير من جهلة المعتنين بسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٢)
وقد قال الخطيب رحمه الله تعالى في «جامعه»: ويجمعون - أي: أهل الحديث - أيضا: ما روي عن سلف المسلمين، من أخبار الأمم المتقدمين، وأقاصيص الأنبياء، وسير الأولياء، والذي نستحبه: ألا يتعرض لجمع شيء من ذلك إلا بعد الفراغ من أحاديث رسول الله ﷺ.
ثم ساق عن ابن عياش القطان: قلت لأحمد: أشتهي أن أجمع حديث الأنبياء؟ فقال لي: حتى تفرغ من حديث نبينا ﷺ(٣).
(١) مقدمة ابن خلدون (ص ٢٨). (٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٦٣). (٣) الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥).