ثم قال: يا جارية؛ عندك حلواء؟ قالت: لا، قال: ولا التمر؟ قالت: لا، فاستلقى وقرأ: ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم … ﴾ الآية.
فلما ولي الخلافة .. وفدت إليه، فقال: كيف سلطاني من سلطان بني أمية؟ قلت: ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئا .. إلا رأيته في سلطانك.
فقال: إنا لا نجد الأعوان؟ قلت: قال عمر بن عبد العزيز: إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها؛ فإن كان برا .. أتوه ببرهم، وإن كان فاجرا .. أتوه بفجورهم، فأطرق) (١).
ومن كلام المنصور:(الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاث خلال: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك) أسنده الصولي.
وقال:(إذا مد عدوك إليك يده .. فاقطعها إن أمكنك، وإلا .. فقبلها) أسنده أيضا.
[[قصة تظهر ذكاء المنصور]]
وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال:(مما يؤثر من ذكاء المنصور: أنه دخل المدينة فقال للربيع: اطلب لي رجلا يعرفني دور الناس، فجاءه رجل فجعل يعرفه الدور، إلا أنه لا يبتدئه حتى يسأله المنصور، فلما فارقه .. أمر له بألف درهم، فطالب الرجل الربيع بها، فقال: ما قال لي شيئا وسيركب، فذكره.
فركب مرة أخرى، فجعل يعرفه ولا يرى موضعا للكلام، فلما أراد أن يفارقه .. قال الرجل مبتدئا: وهذة يا أمير المؤمنين دار عاتكة التي يقول فيها الأحوص (٢): [من الكامل]
يا بيت عاتكة الذي أتغزل … حذر العدى وبه الفؤاد موكل
(١) تاريخ دمشق (٣٤/ ٣٥٢ - ٣٥٣). (٢) البيت والذي يليه من قصيدة في «ديوان الأحوص» (ص ١٥٢ - ١٦١).