أمير المؤمنين، ويقبل الأرض بين يديه، ويسأله العفو والصفح، ويتنصل غاية التنصل؛ فقد ظهرت عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها، فضلا عن المشاهدة من العواصف والبروق والزلازل، ودوام ذلك عشرين يوما، وتشويش العساكر وانقلاب البلدان، ولقد خفت على نفسي من جانب الله وظهور آياته، وامتناع الناس من الصلوات في الجوامع، ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله، فالله الله بتلافي أمرك، وتعيد أمير المؤمنين إلى مقر عزه، وتحمل الغاشية بين يديه؛ كما جرت عادتنا وعادة آبائنا، ففعل مسعود جميع ما أمر به، وقبل الأرض بين يدي الخليفة، ووقف يسأل العفو.
ثم أرسل سنجر رسولا آخر، ومعه عسكر يستحث مسعودا على إعادة الخليفة إلى مقر عزه، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية، فذكر: أن مسعودا ما علم بهم، وقيل: بل هو الذي دسهم، فهجموا على الخليفة في مخيمه، ففتكوا به وقتلوا معه جماعة من أصحابه، فما شعر بهم العسكر إلا وقد فرغوا من شغلهم، فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة الله، وجلس السلطان للعزاء، وأظهر المساءة بذلك، ووقع النحيب والبكاء، وجاء الخبر إلى بغداد، فاشتد ذلك على الناس، وخرجوا حفاة مخرقين الثياب، والنساء ناشرات الشعور يلطمن ويقلن المراثي؛ لأن المسترشد كان محببا فيهم بمرة؛ لما فيه من الشجاعة والعدل والرفق بهم (١).
وكان قتل المسترشد ﵀ بمراغة، يوم الخميس، سادس عشر ذي القعدة، سنة تسع وعشرين.
[[ذكر شيء من شعر المسترشد]]
ومن شعره (٢): [من الطويل]
أنا الأشقر المدعو بي في الملاحم … ومن يملك الدنيا بغير مزاحم
(١) المنتظم (١٧/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، وتاريخ الإسلام (٣٦/٤٩ - ٥٢). (٢) البيتان في «طبقات الشافعية الكبرى» (٧/ ٢٦٠)، و «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٥٦٣).